شهيد بلا قبر وذاكرة لا تموت
"في غزة حين أصبح الوداع الأخير أمنية... قصة الشهيد محمد رأفت الزعانين"
أمل رأفت
أمد/ ليست كل الحكايات التي تكتب عن الحرب تبدأ بصوت الانفجارات، فبعضها يبدأ باسمٍ لا يزال عالقًا في ذاكرة عائلة تنتظر أن تجد له قبرًا. وبعضها يبدأ بأبٍ خرج يبحث عن طفليه، ولم يعلم أن الطريق الذي اختاره بدافع الأبوة سينتهي به وحيدًا، ينزف في منطقةٍ حُرِّمت على الأحياء قبل أن تُحرم على الموتى.
هذه ليست قصة شهيدٍ سقط في لحظة عابرة، بل قصة إنسان اسمه محمد رأفت عبد الكريم الزعانين، المولود في الحادي عشر من أبريل/نيسان عام 1993، والذي عرفه الجميع باسم "محمد أبو رأفت". كان أبًا لطفلين؛ رأفت، الذي حمل اسم جده، وناهض، الذي حمل اسم خاله الراحل الذي بقي حاضرًا في وجدان العائلة رغم رحيله المبكر.
كان محمد، كغيره من أبناء غزة، يحلم بحياة بسيطة لا تتجاوز حدود أسرته الصغيرة. لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يكن يتطلع إلى أكثر من أن يرى ولديه يكبران أمام عينيه، وأن يعيش معهما الأيام التي يحلم بها كل أب. لكن الحرب كثيرًا ما تصادر الأحلام قبل أن تمنح أصحابها فرصة تحقيقها.
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، انقلبت حياة قطاع غزة رأسًا على عقب. جاءت الحرب على حين غرة، لتعيد تشكيل حياة ملايين الفلسطينيين في ساعات قليلة. وفي تلك الأيام الأولى، كان طفلا محمد برفقة والدتهما عند أهلها في منطقة النصيرات وسط قطاع غزة، بينما بقي محمد مع والديه وأسرته في شمال القطاع، في منزلهم الواقع بجوار مستشفى كمال عدوان.
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك التباعد الجغرافي البسيط إلى فاصل قاسٍ بين الأب وأطفاله يمتد لأشهر طويلة.
ومع تصاعد العمليات العسكرية، فرض جيش الاحتلال واقعًا جديدًا على القطاع، فقطع شمال غزة عن وسطها وجنوبها، وأصبح الانتقال بين المنطقتين رحلة محفوفة بالموت. لم يعد الطريق مجرد مسافة تُقطع، بل صار اختبارًا للحياة؛ فمن أراد العبور كان عليه أن يمر عبر حاجز نتساريم، الحاجز الذي ارتبط في ذاكرة الغزيين بالاعتقال والإذلال وإطلاق النار، حتى بات كثيرون يطلقون عليه "حاجز الموت".
ورغم كل ذلك، ظل محمد في شمال غزة، يتمسك بالأمل في أن تنتهي الحرب سريعًا، وأن يعود فيلتقي طفليه.
غير أن نهاية عام 2023 حملت إليه خبرًا بدّل كل شيء.
في شهر ديسمبر/كانون الأول، وبعد نحو شهرين من اندلاع الحرب، تلقى اتصالًا أخبره بأن المنزل الذي كان يتواجد فيه طفلاه قد تعرض لقصف من طائرات الاحتلال، وأن أحدًا لم يخرج حيًا من تحت الركام.
في لحظة واحدة، وجد محمد نفسه أمام خبر بدا وكأنه نهاية العالم. لم يكن أمامه وقت للتحقق، ولم يكن قطاع غزة يومها يعرف وسائل اتصال مستقرة، فقد كانت شبكات الهاتف والإنترنت تنقطع باستمرار تحت وطأة القصف، فيما كانت الغارات لا تهدأ ليلًا ولا نهارًا، من شمال القطاع إلى جنوبه.
لم يتردد.
اتخذ قراره في اللحظة نفسها.
قرر أن يغادر شمال غزة متجهًا إلى وسط القطاع، مدفوعًا بأمل واحد فقط؛ أن يعرف مصير طفليه، مهما كانت النتيجة، ومهما كان الثمن.
رفض والداه مغادرة المنزل، كما بقي أشقاؤه وشقيقاته المتزوجات وأطفالهن في جواره، أما محمد فغادر وحده، يحمل قلب أبٍ أثقله الخوف، ويسير نحو طريقٍ لم يكن أحد يعرف إن كان سيصل بنهايته إلى أبنائه... أم إلى مصيره.
واصل محمد طريقه نحو وسط قطاع غزة، مدركًا أن الخطوة التي أقدم عليها قد تكون الأخيرة في حياته. لم يكن يحمل يقينًا بالوصول، لكنه كان يحمل يقينًا آخر؛ أن البقاء في الشمال وهو يجهل مصير طفليه أشد قسوة من مواجهة المجهول.
وعند حاجز نتساريم، انتهت رحلته الأولى قبل أن تبدأ.
هناك، احتجزته قوات الاحتلال لمدة يومين كاملين. قضاهما مقيد اليدين والقدمين، معصوب العينين، مجردًا من ثيابه، في العراء، بينما كان برد الشتاء القارس يلف قطاع غزة. لم يكن يملك ما يقي جسده من قسوة الطقس، ولا ما يخفف عنه الإهانة التي تعرض لها، سوى الأمل الذي جاء من أجله؛ أن يجد طفليه على قيد الحياة.
وبعد يومين من الاحتجاز، أُفرج عنه، ليواصل سيره نحو المكان الذي قيل له إن أبناءه كانوا فيه لحظة القصف.
كان قلبه يسبقه إلى هناك.
كل خطوة كانت تحمل خوفًا من الحقيقة التي تنتظره.
لكن الله كتب له أن يعيش لحظة لم يكن يتوقعها.
حين وصل، اكتشف أن الخبر الذي تلقاه لم يكن دقيقًا. فالمنزل الذي استهدفته طائرات الاحتلال لم يكن المنزل الذي كان يوجد فيه طفلاه، وإنما منزل الجيران، بعدما كانت زوجته وولداه قد غادروا المكان ونزحوا منه قبل القصف.
في تلك اللحظة، تبدلت مشاعر محمد دفعة واحدة.
بعد أيام من الخوف والقلق والرحلة المحفوفة بالموت، اطمأن أخيرًا إلى أن رأفت وناهض لا يزالان على قيد الحياة.
إلا أن هذا الاطمئنان لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية فصل جديد منها.
ففي ذلك الوقت، كان الاحتلال يمنع كل من خرج من شمال قطاع غزة باتجاه الوسط أو الجنوب من العودة مرة أخرى إلى الشمال. كان ذلك جزءًا من سياسة فرضها لإفراغ شمال القطاع من سكانه، ودفعهم قسرًا إلى النزوح جنوبًا، بينما بقي من رفض المغادرة يواجه القصف والمجازر التي حصدت عشرات الآلاف من المدنيين داخل منازلهم، وفي المدارس، والمستشفيات، ومراكز الإيواء.
أصبح محمد واحدًا ممن تقطعت بهم السبل.
اطمأن على طفليه، لكنه لم يعد قادرًا على العودة إلى والديه وإخوته في شمال غزة.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ يعيش وحيدًا.
لم يكن له منزل يلجأ إليه، ولا عائلة تقيم معه. أما طفلاه فبقيا مع والدتهما عند أهلها، بينما وجد نفسه يتنقل بين مناطق الوسط والجنوب، يحمل وحدته معه أينما ذهب.
كانت الأولوية في مراكز الإيواء للعائلات التي نزحت مجتمعة، أما الرجل الذي يسير وحده، فلم يكن يجد مكانًا يأويه.
بات محمد لياليه على الأرصفة، أو في محيط المستشفيات، متنقلًا من مكان إلى آخر، باحثًا عن زاوية يقي فيها جسده برد الليل.
وفي تلك الأشهر، كانت المجاعة قد بدأت تضرب قطاع غزة بصورة غير مسبوقة.
شح الطعام، وندر الماء، وتحولت لقمة الخبز إلى حلم يومي يطارده آلاف النازحين.
حتى مع حلول شهر رمضان من عام 2024، لم تتبدل الأحوال، بل ازدادت قسوة. كان الصيام يمتزج بالجوع القسري، والعطش، والإرهاق، بينما بقي محمد يواجه كل ذلك وحيدًا، بعيدًا عن أسرته، وبعيدًا عن أطفاله الذين خاطر بحياته من أجل الوصول إليهم.
ورغم ما كان يعيشه، لم يغادره الحنين إلى البيت.
لم يكن يشتاق إلى الجدران، بل إلى الوجوه.
كان يشتاق لوالده ووالدته، ولإخوته وأخواته، ولأطفال العائلة الذين اعتاد أن يكون بينهم.
وفي كل مرة تسنح له فرصة لإرسال رسالة إليهم، كان يكرر أمنية واحدة لا تتغير:
أنه يريد العودة إلى شمال غزة، وأن يكون بينهم، حتى لو كان ذلك يعني أن يلقى الموت وهو في أحضانهم.
كانت تلك الأمنية البسيطة، في زمن الحرب، تبدو أبعد منالًا من أي حلم آخر.
ومع حلول شهر مارس/آذار 2024، لم يعد الشوق الذي يسكن محمد مجرد شعور عابر، بل تحول إلى معركة يومية يخوضها مع نفسه. حاول مرارًا وتكرارًا العودة إلى شمال قطاع غزة عبر نقطة نتساريم، علّه يتمكن من الوصول إلى والديه وإخوته، لكن كل المحاولات كانت تنتهي بالفشل.
كان يدرك أن الطريق مغلق، ومع ذلك لم يتوقف عن المحاولة.
كان يقول لأهله، كلما سنحت له فرصة لإرسال رسالة أو إجراء اتصال، إنه لم يعد يحتمل الوحدة، ولا الجوع، ولا العطش، وإن كل ما يتمناه هو أن يعود إلى بيته، وأن يكون بين أفراد أسرته، حتى لو كان قدره أن يموت هناك، بين أحضانهم.
لم تكن أمنيته النجاة من الحرب، بل أن ينتهي به المطاف إلى جانب من أحبهم.
وبمرور الأيام، استقر محمد في منطقة الزهراء، القريبة من حاجز نتساريم، وهي المنطقة التي كانت تخضع آنذاك لحصار عسكري مشدد، بعدما أعلنها جيش الاحتلال منطقة عسكرية مغلقة، وأقام فيها معسكرًا لقواته، ومنع المدنيين من الحركة إليها أو الخروج منها.
هناك، وجد محمد نفسه محاصرًا من جديد.
لم يعد يستطيع التوجه شمالًا للعودة إلى أسرته، كما بات عاجزًا عن الرجوع إلى جنوب القطاع.
أصبح عالقًا في مساحة ضيقة، لا يملك خيارًا سوى البقاء فيها.
ومع اشتداد الحصار، تدهورت ظروف الحياة بصورة قاسية.
لم يكن يجد ما يكفي من الطعام، ولا الماء، ولا حتى الملابس التي تقيه تقلبات الطقس. أما البطانية التي يمكن أن تحميه من برد الليل، فلم تكن متوفرة أيضًا.
وفي ظل هذا الواقع، لجأ إلى مكان يشبه الشاليه يقع بجوار بلدية الزهراء، واتخذه مأوى مؤقتًا يقضي فيه أيامه ولياليه، منتظرًا أن يتغير شيء، أو أن تنتهي الحرب، أو أن يُفتح طريق يعيده إلى بيته.
لكن القدر كان يخبئ له نهاية أخرى.
في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان 2024، وبعد ثمانية عشر يومًا فقط من احتفاله بعيد ميلاده الحادي والثلاثين، دوى هاتف شقيقتي برقم لم يكن مألوفًا لديها.
أجابت على الاتصال.
وفي الجهة الأخرى، جاءها صوت محمد.
لم يكن صوته يشبه أي حديث سابق.
كان يصرخ من شدة الألم.
قال إنه مصاب، وإن طائرة إسرائيلية مسيرة أطلقت النار عشوائيًا في المنطقة قبل أن تستقر رصاصة في صدره.
كان يطلب شيئًا واحدًا فقط.
أن تصل إليه سيارة إسعاف قبل أن يفقد ما تبقى من قوته.
وفي أثناء حديثه، كان صوت الرصاص الصادر عن الطائرة المسيّرة واضحًا في التسجيل، وكأن الموت كان يحيط به من كل اتجاه، مانعًا أي محاولة للاقتراب منه أو إنقاذه.
ما إن أنهى الاتصال، حتى بدأت شقيقتي، ومعها أفراد العائلة، سباقًا مع الزمن.
تواصلوا مع طواقم الإسعاف، والهلال الأحمر الفلسطيني، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أمل أن يتمكن أحد من الوصول إليه.
لكن جميع المحاولات اصطدمت بالإجابة نفسها.
المنطقة مصنفة منطقة عسكرية مغلقة، ولا تستطيع الطواقم الدخول إليها.
انقطع الاتصال مع محمد.
وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صدى كلماته الأخيرة.
كان صوته يضعف شيئًا فشيئًا، بينما أوصى والدي ووالدتي بالعناية بطفليه، وأن يتوليا تربيتهما إذا لم ينجُ.
ثم اختفى صوته.
وبقيت العائلة معلقة بين الدعاء، والرجاء، والخوف، والأمل، تنتظر خبرًا يبدد هذا الغياب الذي بدأ باتصال استغاثة... وانتهى بصمت لا يعرف أحد ماذا يخفي خلفه.
مرّت الساعات الأولى بعد انقطاع الاتصال ثقيلة كأنها أعوام.
لم تكن العائلة تعرف إن كان محمد لا يزال على قيد الحياة، أم أنه فارقها وحيدًا في المكان الذي سقط فيه، بعدما عجز الجميع عن الوصول إليه.
كل ما كانوا يملكونه هو الدعاء، وانتظار أي خبر، مهما كان.
وبعد أيام من الغموض والقلق، وصلت المعلومة التي كانت الأسرة تخشاها.
استُشهد محمد.
لكن حتى بعد استشهاده، لم تنتهِ معاناة العائلة.
فقد بقي جثمانه في المكان الذي سقط فيه، داخل المنطقة العسكرية التي كان الاحتلال يمنع الوصول إليها بشكل كامل، ولم يكن أحد قادرًا على انتشاله أو مواراته الثرى.
أيام طويلة ظل فيها الجثمان بعيدًا عن أسرته، فيما كان والده ووالدته وإخوته يعيشون ألمًا مضاعفًا؛ ألم الفقد، وألم العجز عن إلقاء النظرة الأخيرة عليه، أو احتضانه، أو الصلاة عليه، أو دفنه بما يليق بكرامة الإنسان.
كان أصعب ما في الأمر أن محمد لم يمت بين أهله كما كان يتمنى.
كان قد كرر مرارًا أنه يريد فقط أن يعود إلى شمال غزة، وأن يكون إلى جوار والديه وإخوته، حتى لو كانت تلك العودة هي محطته الأخيرة.
لكن الحرب حرمته من العودة، ثم حرمته حتى من وداع عائلته.
وفي الوقت الذي كان فيه والداه يعيشان هذه الفاجعة، كان الطفلان لا يزالان ينتظران عودة والدهما، غير مدركين أن الحرب التي فرّقت بينهما في بدايتها، هي نفسها التي حالت دون أن يراهما مرة أخرى.
أما عني، أنا الابنة البكر والأخت الكبرى المغتربة، فقد كنت أعيش في جمهورية مصر منذ عشرة أعوام، أحمل همّ أهلي في غزة مع كل يوم من أيام الحرب، وأرتجف مع كل انقطاع للاتصالات والإنترنت الذي تعمد الاحتلال فرضه لعزل القطاع عن العالم.
وفي تلك الأيام، أخفى عني أهلي خبر إصابة محمد بكل ما استطاعوا من قوة، خشية أن أتلقى الفاجعة وحيدة بعيدًا عنهم.
لكن صباح الثاني من مايو/أيار 2024، تبدل كل شيء.
رنّ هاتفي عبر تطبيق "ماسنجر"، وكان المتصل قريبًا لنا يقيم في ألمانيا، وصديقًا مقربًا لمحمد. ما إن رأيت اسمه حتى انقبض قلبي، وشعرت بأن شيئًا جللًا قد وقع. ارتجفت أطرافي، وتسارعت نبضات قلبي، وكأن روحي سبقت أذني لتدرك ما سيقال.
فتحت الاتصال، فكان أول ما سمعته: "كيف محمد؟ شو صار معه؟"
أجبته باستغراب: "شو صار معه؟ ماله محمد؟" فأخبرني أنه تلقى معلومات تفيد بأن محمد أصيب، وأنه محاصر، وانقطع الاتصال به منذ أيام.
رفض عقلي التصديق. ظننتها مزحة ثقيلة أو معلومة خاطئة، لكن الرجل نفسه كان قد أبلغني قبل ذلك بإصابة أخي الأصغر غسان، يوم كانت الاتصالات مقطوعة تمامًا عن شمال قطاع غزة، ولذلك لم أستطع أن أطمئن نفسي كثيرًا.
أنهيت المكالمة، وسارعت بالاتصال بأهلي، فجاءني صوت أختي هذه المرة مؤكدًا الحقيقة التي كنت أهرب منها. عندها شعرت أن كل ما تبقى داخلي من قدرة على الاستيعاب قد انهار. أغلقت الهاتف، ولم أجد ما أفعله سوى التمسك بخيط أمل أخير.
تواصلت مع صديقة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات داخل قطاع غزة، وطلبت منها أن تنشر مناشدة مرفقة بصورة محمد، وملابسه، وأوصافه، علّ أحدًا من الموجودين في تلك المنطقة المحاصرة يكون قد رآه، أو يعرف عنه شيئًا.
مر اليوم الأول بلا أي خبر.
لم يكن هناك نوم، ولا راحة، ولا قدرة على التفكير. كان هناك دعاء لا ينقطع، ورجفة لا تفارق أطرافي، وعقل يرفض الاعتراف بأن أخي ربما يكون قد رحل.
وفي اليوم التالي، جاء الاتصال الذي كنت أخشاه.
أخبرني أحد الموجودين في المنطقة أنه شاهد شابًا تنطبق عليه أوصاف محمد، ممددًا على الأرض، وقد بدا واضحًا أن استشهاده مضى عليه يومان على الأقل، لكنه لم يتمكن من الاقتراب من الجثمان بسبب خطورة المكان، وكثافة إطلاق النار، ووجود مئات الشهداء الملقين في المنطقة نفسها.
حينها تذكرت كلمات محمد الأخيرة لأهلي، عندما أخبرهم قبل إصابته أنه كان يرى عشرات الجثامين متناثرة في الطرقات، وأن بعضها بدأ يتحلل، وقد غزت الديدان أجساد أصحابها. لم أكن أتخيل يومًا أن يصبح هو واحدًا من أولئك الذين وصفهم لنا بألمه.
توالت مناشداتنا إلى الصليب الأحمر وطواقم الإسعاف، وكنا نتشبث بأي خبر عن انتشال شهيد من تلك المنطقة، علّه يكون محمد، لكن الأمل كان يتبدد في كل مرة.
ثم جاءت الهدنة الأولى، وانطلقت أمي، وهي التي أنهك المرض جسدها، في رحلة شاقة استمرت أكثر من ست ساعات سيرًا على الأقدام من مدينة غزة إلى وسط القطاع، عبر شارع الرشيد الساحلي، أملاً في أن تعيد جثمان ابنها، أو ما تبقى منه، لتدفنه بيديها. لكنها وصلت إلى مكان لم تعد له ملامح؛ الأرض قُلبت رأسًا على عقب، والموت كان في كل زاوية، ولم تجد أثرًا لمحمد، فعادت بقلب أكثر انكسارًا مما ذهبت به.
واليوم، وبعد عامين وشهر ونصف على استشهاد محمد، ما زال أخي بلا قبر، ولا شاهد يحمل اسمه، ولا مكان يقصده طفلاه رأفت وناهض ليقرآ الفاتحة على روحه. وما زال والدي يحمل صمته الثقيل بعدما أثقلت الأحزان لسانه، وما زالت أمي تعيش وجع أم حُرمت حتى من احتضان ابنها للمرة الأخيرة.
أما أنا، الصحفية التي اعتادت أن توثق أخبار الحرب، وأن تكتب عن الشهداء وقصصهم، فقد توقف قلمي عن الكتابة منذ استشهاد محمد. كان في صدري وجع أكبر من الكلمات، وغصة أعجز من أن تصفها اللغة. آخر مرة رأيت فيها أخي كانت قبل تسعة أعوام، ثم حالت بيننا الغربة والمسافات، وكنت أرجو من الدنيا لقاءً أخيرًا، حتى لو كان عبر شاشة هاتف أودعه من خلالها.
لكن حتى هذا الحق الإنساني البسيط سُلب منا. لم أستطع أن ألقي عليه النظرة الأخيرة، ولا أن أودعه، ولا أن أطبع قبلة على جبينه، ولا أن أشيع جثمانه، ولا أن أنثر عطره الذي كان يحبه فوق كفنه.
لهذا أكتب اليوم قصة محمد، بعدما جمعت ما تبقى من قوتي وشجاعتي، لا لأنني تجاوزت الفقد، بل لأن أخي يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة. أكتبها لأن الشهداء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل حيوات كاملة، وأحلامًا، وعائلات، ووجوهًا كانت تبتسم يومًا.
وبعد عامين من استشهاد محمد، ما زالت قلوبنا معلقة برجاء أن نعثر على رفاته، وما زالت أعيننا تفتش في كل خبر عن المفقودين، وفي كل صورة لعظام أو متعلقات تُنتشل من تحت الركام أو من الطرقات، علّها تقودنا إليه.
فمحمد لم يكن رقمًا، ولم يكن خبرًا عابرًا؛ كان أخي، وكان أبًا لطفلين كان يحلم أن يراهما يكبران أمام عينيه، لكن كل تلك الأحلام انتهت في لحظات، فقط لأنه كان فلسطينيًا من غزة.
قصة محمد واحدة من مئات القصص التي تختصر مأساة العائلات الفلسطينية في قطاع غزة؛ عائلات لم تكتفِ بفقد أحبائها، بل حُرمت أيضًا من أبسط حقوقها الإنسانية، حق الوداع الأخير، وحق دفن أبنائها بكرامة.
ورغم مرور الوقت، بقيت كلمات محمد الأخيرة محفورة في ذاكرة كل من سمعها.
لم يكن يفكر في نفسه وهو ينزف، ولم يكن يشكو وجعه بقدر ما كان يفكر في طفليه، وفي والديه، وفي الأسرة التي كان يخشى أن يتركها خلفه بلا سند.
كانت وصيته الأخيرة انعكاسًا لحياته كلها؛ رجلٌ حمل همّ عائلته حتى آخر أنفاسه، وغادر الدنيا وقلبه معلق بمن أحب.
بعد استشهاد محمد، لم يعد اسمه يُذكر داخل العائلة بوصفه الغائب فحسب، بل أصبح حاضرًا في كل تفاصيل الحياة اليومية.
دمر بيت والديه شمال قطاع غزة، حيث كان يحلم بالعودة إليه منذ الأيام الأولى للحرب، وحرموا عائلته حتى من ذكراه تسكن كل زاوية. كل شيء كان يعيدهم إليه؛ صوته، وضحكته، وأحاديثه.
نزحت عائلة محمد تحت وطأة الموت إلى وسط قطاع غزة حيث استشهد يعيشون في خيام وحياة أقل من أن تكون آدمية.
أما طفلاه، رأفت وناهض، فقد كُتب عليهما أن يكملا طفولتهما من دون الأب الذي كان يحلم بأن يكبرا بين يديه.
لم تكن الحرب قد اكتفت بحرمانهما من العيش معه منذ بدايتها، حين بقيا مع والدتهما لدى أهلها في النصيرات بعد إغلاق الاحتلال الطرق بين شمال القطاع وجنوبه، بل انتهت بحرمانهما من لقائه إلى الأبد.
كان محمد يتحدث عنهما دائمًا، ويستمد منهما القوة التي تعينه على احتمال أيام النزوح والجوع والخوف.
كان يحلم فقط بأن تنتهي الحرب ليعود إليهما، وأن يعوضهما عن كل يوم افترقا فيه.
لكن ذلك الحلم بقي معلقًا، ولم تمنحه الحرب فرصة تحقيقه.
ولم تكن خسارة الأسرة تقتصر على فقدان ابن أو أخ أو زوج أو أب، بل فقدت إنسانًا عرفه الجميع بطيبته، وحرصه الدائم على من حوله.
حتى في أصعب لحظات حياته، وهو ينزف تحت نيران الطائرة المسيّرة، لم يكن حديثه عن نفسه، بل عن أسرته، وعن طفليه اللذين أوصى بهما، وكأنه كان يدرك أن كلماته تلك ستكون الأخيرة.
وهكذا، انتهت رحلة محمد التي بدأت مع نزوح قسري فرضته الحرب، وتواصلت بمحاولات متكررة للعودة إلى والديه وإخوته في شمال غزة، ثم بحصار في منطقة الزهراء، قبل أن تنتهي برصاصة أطلقتها طائرة إسرائيلية مسيّرة، تاركة وراءها عائلة تحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه.
