في دعابة سياسية لافتة..
تشارلز ردا على ترامب: لولا بريطانيا لكنتم تتحدثون "الفرنسية" - فيديو
أمد/ واشنطن: في أجواء دبلوماسية ودية خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت في البيت الأبيض مساء يوم الثلاثاء، تبادل الملك تشارلز الثالث والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقات طريفة عكست عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، مع لمسة من الفكاهة السياسية.
خلال كلمته في العشاء، استذكر الملك تصريحاً سابقاً لترامب، كان قد أدلى به في منتدى "دافوس" مطلع العام الجاري، حيث أشار فيه إلى أن أوروبا "كانت ستتحدث الألمانية" لولا الدور الحاسم الذي لعبته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية من خلال مساهمتها في هزيمة ألمانيا النازية وحلفائها.
رد الملك تشارلز على هذا التصريح بابتسامة هادئة وبأسلوب مرح، قائلاً: "أجرؤ على القول إنه لولا نحن، لكنتم تتحدثون الفرنسية".
تفاعل واسع مع دعابة تشارلز
أثارت هذه الدعابة ضحك الحاضرين وتفاعلاً واسعاً، نظراً لإيحائها التاريخي الذكي، حيث تعود الإشارة التاريخية هنا إلى الصراع الاستعماري الطويل بين بريطانيا وفرنسا على أراضي أمريكا الشمالية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي بلغ ذروته في حرب السنوات السبع (1756-1763).
📹الملك تشارلز للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب": "لقد قلتَ مؤخراً سيادة الرئيس، بأنه لولا الولايات المتحدة لكانت الدول الأوروبية تتكلم الألمانية. أجرؤ على القول إنه لولانا، لكنتم تتكلّمون الفرنسية" pic.twitter.com/IwQiWSf66m
— أمد للاعلام (@MediaAmad) April 29, 2026
انتهت تلك الحرب بانتصار بريطاني حاسم، أدى إلى توقيع معاهدة باريس عام 1763، التي نقلت السيطرة على معظم المستعمرات الفرنسية في أمريكا الشمالية إلى بريطانيا.
وبهذا، ساهمت السيطرة البريطانية في ترسيخ اللغة الإنجليزية كلغة أساسية في المستعمرات التي شكلت فيما بعد الولايات المتحدة، بدلاً من الفرنسية.
هذه اللحظة جاءت ضمن سياق زيارة رسمية للملك تشارلز إلى واشنطن، لتجسد استمرار التحالف الاستراتيجي الوثيق بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذي يمتد لأكثر من قرنين من الزمن، رغم الخلافات التاريخية والسياسية العابرة.
فلم يكن وقوف الملك تشارلز الثالث تحت قبة الكابيتول مجرد بروتوكول ملكي عابر، بل كان استعراضًا سياسيًّا بعباءة تاريخية، إذ اختار أن يفتش في دفاتر الماضي المشترك بين لندن وواشنطن، ليستخرج منها ضمانات لمستقبل تتقاذفه أمواج الخلافات الراهنة.
ضيف البيت الأبيض لم تمنعه الحفاوة الكبيرة من أن يعبّر عن قناعاته الثابتة في لحظة وصفها بالدقيقة في العلاقات الأمريكية البريطانية وسط أزمة خلافات متصاعدة بين البيت الأبيض ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بصورة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الأمريكية البريطانية.
خطاب تشارلز التاريخي
في زيارته الـ21 للولايات المتحدة، سطر الملك تشارلز الثالث فصلاً غير مسبوق في تاريخ التاج؛ فهي المرة الأولى التي يطأ فيها أرض المستعمرة البريطانية السابقة ملكًا، والمرة الأولى التي يُستقبل فيها بمراسم زيارة دولة كاملة.
وبالوقوف تحت قبة الكابيتول، أصبح تشارلز ثاني عاهل بريطاني يخطب في جلسة مشتركة للكونغرس عبر التاريخ، مقتفيًا أثر والدته الراحلة الملكة إليزابيث الثانية التي نالت هذا الشرف عام 1979.
ووسط جدول يوم حافل بين البيت الأبيض ومقر الكابيتول توزع جدول الملك والملكة كاميلا بعد مراسم الاستقبال الخاصة أقامها على شرفه الرئيس ترامب في البيت الأبيض قبل أن يتوجه إلى الكونغرس لإلقاء خطابه التاريخي.
زيارة تشارلز إلى واشنطن تأتي في سياق تاريخي لم يغب عن أحاديثه الخاصة والعامة منذ وصوله العاصمة الأمريكية التي يقضي بها أيامًا أربعة، وهي مناسبة للاحتفال بالذكرى المئتين والخمسين لميلاد الولايات المتحدة واستقلالها عن التاج البريطاني قبل قرنين ونصف القرن من الزمن.
إضافة إلى تلك العناصر البروتوكولية التي تجعل جميعها من خطاب الملك البريطاني أمام الكونغرس لحظة تاريخية بكل المقاييس، كان هناك الكثير من الرسائل التي حملها خطابه في جميع الاتجاهات، وأولها الرئيس ترامب وإدارته ومسائل الخلافات الأوروبية الأمريكية الحالية، وعلى رأسها الخلاف البريطاني الأمريكي بكامل تداعياته والموقف من سياسات ترامب في قضايا البيئة، إضافة إلى الخلاف الأمريكي مع الدول الأعضاء في الأطلسي، والسياسات المتبعة في أوروبا وأمريكا في أوكرانيا.
الأطلسي.. في قلب اهتمامات تشارلز
كان واضحًا ذلك التركيز الكبير الذي خصصه الملك تشارلز في خطابه عن حيوية وأهمية ومركزية الحلف الأطلسي لأمن الضفتين من المحيط الأطلسي ودوره التاريخي في الأمن المشترك والأمن العالمي.
تشارلز وهو يتحدث أمام الكونغرس اختار أن يذكر الأمريكيين أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تنص على أن الاعتداء على عضو واحد من الأعضاء هو اعتداء على جميع الأعضاء.
الملك تشارلز يتحدث أمام أعضاء الكونغرس
هذه المادة، يقول تشارلز، تم تفعيلها في تاريخ الحلف للمرة الأولى والأخيرة لأجل الولايات المتحدة عندما انخرط جميع الأعضاء في الدفاع عن الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وما تبعها من حربين في العراق وأفغانستان، وفي كليهما كان الحلفاء الأوروبيون إلى جانب الولايات المتحدة.
تشارلز بإعادته إلى الذاكرة الجماعية للأمريكيين لهذه المحطة الفارقة كان ضمنًا يرد بذلك على الرئيس ترامب عندما كرر في أكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة وقفت طويلًا إلى جانب دول الحلف، لكنها عندما احتاجت إلى أعضاء الحلف في الحرب الحالية في إيران لم تجد المساعدة من حلفائها.
الحرب في أوكرانيا
لم تكن الأزمة داخل الحلف الأطلسي وحدها هي ما اختار ضيف الولايات المتحدة طرحه بصوت مختلف تمامًا على مسمع من النواب الجمهوريين والديمقراطيين من على منبر الكونغرس، وإنما ملف الحرب في أوكرانيا.
تشارلز قال مخاطبًا المشرّعين الأمريكيين إن دول الحلف التي وقفت إلى جانب الولايات المتحدة في أعقاب هجمات سبتمبر/ أيلول عام ألفين وواحد مطالبة بأن تفعل الأمر ذاته اليوم مع أوكرانيا إكرامًا لقتال الأوكرانيين وشجاعتهم في مواجهة الغزو الروسي.
هذا الطرح من جانب تشارلز أعاد إلى الأذهان ذلك الخلاف الكبير بين القادة الأوروبيين والرئيس ترامب حول المساعدات المقدمة لكييف، وكذلك الموقف من روسيا وكيفية إدارة المسار التفاوضي مع موسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
لم ينكر تشارلز وجود أزمة خلاف في العلاقات الأمريكية البريطانية في المرحلة الحالية، لكنه فضل أن يقول عنها إنها جزء من طبيعة العلاقة التاريخية القائمة دائمًا على تبادل وجهات النظر، ولكن في مقابل ذلك هناك تعاون عميق جدًّا بين لندن وواشنطن وهو ذلك التعاون الذي حقق إنجازات كبيرة للبلدين ولأمن أوروبا والعالم من وراء ذلك، ولهذا يجب النظر إلى هذه العلاقة من هذه الزاوية المهمة جدًّا للأمن المشترك والعالمي من وراء ذلك.
ملك بريطانيا عدد مجالات التعاون الأمريكي البريطاني في الصناعات العسكرية وفي التكنولوجيا الحديثة وكذلك في مجالات الذكاء الاصطناعي، وجميع هذه الاستثمارات هي استثمارات في المستقبل أكثر منها في الحاضر، إضافة إلى تلك المجالات التي باتت تقليدية وجزءًا راسخًا من تاريخ العلاقة بين البلدين ومنها بالتأكيد التعاون الاستخباري والأمني والدفاعي.
إعادة تأكيد أهمية حماية البيئة
تشارلز ظلَّ وفيًّا لدعمه للبيئة، لم يكن جديدًا على الملك الدفاع عن قضايا البيئة ومناصرة سياساتها في الداخل البريطاني وفي بقية العالم، وهو المعروف بتأييده لهذه السياسات منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي القضية الأخرى التي فضل إثارتها خلال خطابه أمام الكونغرس الأمريكي عندما أعاد تأكيد مسؤولية الحكومات والمجتمعات في حمايتها.
تشارلز بإثارته لهذه النقطة تحديدًا وفي هذه المناسبة كان يوجه بذلك سهام انتقاده ضمنيًّا إلى سياسات الإدارة الأمريكية الحالية التي لا تؤمن بهذه السياسات وتتعامل معها على أنها صناعة دعاية صينية، وهو ما دفع الرئيس ترامب في ولايتيه الرئاسيتين على التوالي إلى الانسحاب من الاتفاقات البيئية التي وقعها السلفان الديمقراطيان باراك أوباما وجو بايدن، وكذلك إلغاء جميع المراسيم التنفيذية التي كان الرئيس جو بايدن أقرّها لحماية البيئة في الداخل الأمريكي، وإنهاء العمل بجميع القيود التي كانت وضعت خلال السنوات الأربع من وجود الرئيس السابق في البيت الأبيض.
تشارلز ينجح في توحيد الكونغرس
في مشهد نادر غاب عن هذا النوع من المناسبات داخل مبنى الكونغرس، لم تظهر أيّ صورة عن الانقسام الحاد بين مشرعي الحزبين الديمقراطي والجمهوري داخل القاعة الواحدة.
الملك تشارلز يتحدث أمام أعضاء الكونغرس هناك الكثير من المحطات في خطاب الملك تشارلز التي لقيت ترحيبًا جماعيًّا من مشرعي الحزبين بصورة تكاد تكون نادرة الحدوث، خاصة في تلك اللحظة التي تحدث فيها عن ضرورة تقيد الديمقراطيات العريقة بقيم الفصل والتوازن بين السلطات، وهي إشارة أخرى منه إلى ما تواجهه الإدارة الحالية من موجة انتقادات في الداخل والخارج بسبب الانفراد في السياسات الداخلية أو في الخارج بأبعاد تقاليد التشاور والتنسيق بين الحلفاء التقليديين في القضايا الكبرى.
خطاب الملك تشارلز أنهى صورة من الاضطرابات علقت بهذا النوع من المناسبات لأكثر من عقد من الزمن بسبب حالة الانقسام الحاد في المشهد السياسي الأمريكي حاليًّا، حيث عادة ما يواجه الرؤساء الديمقراطيون معارضات ومقاطعات من النواب الجمهوريين وكذلك الأمر مع الرئيس ترامب في ولايتيه الرئاسيتين الأولى والثانية، وفي كلتيهما وجد نفسه أمام حركات احتجاجية ومقاطعات من قبل النواب الديمقراطيين انتهت في بعض الحالات إلى إخراج نواب ديمقراطيين من قاعة المجلس بعد تدخل من رئيس مجلس النواب "مايك جونسون" سعيًا لفرض حالة من النظام داخل القاعة في وقت خطاب الرئيس كما حدث مع الرئيس ترامب في خطاب حالة الاتحاد قبل أشهر قليلة من الآن.
كلمات دلالية
أخبار ذات صلة
-
ترامب: حلمت دائما بالعيش في قصر باكنغهام وسأناقش الأمر مع الملك تشارلز
-
أ ب: الملك تشارلز في مهمة حساسة لإعادة بناء العلاقات البريطانية الأمريكية
