بيترو يتهم شركة إسرائيلية بحملة تضليل للتأثير في الانتخابات الكولومبية
أقسى ضربة للسيادة الوطنية
بوغوتا: اتهم الرئيس الكولومبي المنتهية ولايته، غوستافو بيترو، شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "بلاك كور" ( BlackCore) بالوقوف وراء حملة تضليل رقمية قال إنها استهدفت التأثير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وذلك في أعقاب فوز المرشح المحافظ أبيلاردو دي لا إسبريلا في جولة الإعادة.
وقال بيترو، في منشور على منصة "إكس"، إن الشركة استخدمت نحو 500 ألف حساب مزيف على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة استهدفته ومرشح الحزب الحاكم إيفان سيبيدا، مضيفًا أن ما جرى يمثل "انتهاكًا خطيرًا للسيادة الوطنية".
قال بيترو: "قامت شركة بلاك كور الإسرائيلية بنشر 500 ألف حساب وهمي - ملفات تعريف مزيفة - للتلاعب بالناخبين الكولومبيين بملايين الأكاذيب حول إيفان وأنا".
ووصف بيترو التدخل المزعوم بأنه "أقسى ضربة للسيادة الوطنية منذ الاسترداد الإسباني"، وأعلن قبل أسبوع أنه سيرفض الاعتراف "بشرعية الحكومة الجديدة".
ودعا الزعيم المنتهية ولايته أنصاره لاحقاً إلى إطلاق حشد وطني في 20 يوليو/تموز.
وجاءت تصريحات بيترو بعد فوز دي لا إسبريلا في جولة الإعادة التي أُجريت في 21 يونيو، بفارق ضئيل جدا عن منافسه سيبيدا، في واحدة من أكثر الانتخابات تنافسًا في تاريخ البلاد الحديث.
وكان الرئيس المنتهية ولايته قد شكك منذ إعلان النتائج الأولية في سلامة عملية فرز الأصوات، مدعيًا تعرض النظام الإلكتروني المستخدم في العملية لاختراق، ومشيرًا إلى ما وصفه بتغييرات في عناوين بروتوكول الإنترنت (IP) الخاصة ببعض الخوادم الحكومية.
في المقابل، نفت الهيئة الوطنية للسجل المدني والمجلس الوطني للانتخابات في كولومبيا تلك المزاعم، وأكدتا في بيان مشترك أن أنظمة فرز الأصوات لم تتعرض لأي اختراق أو تعديل غير مصرح به، وأن العملية الانتخابية جرت وفق المعايير الأمنية المعتمدة.
كما أعلنت بعثات مراقبة الانتخابات التابعة لمنظمة الدول الأمريكية والاتحاد الأوروبي أنها لم ترصد أي أدلة على حدوث تلاعب رقمي أو تدخل إلكتروني ممنهج من شأنه التأثير في نتائج الاقتراع.
ولم يقدم بيترو، حتى الآن، أدلة علنية تدعم اتهاماته، كما لم يصدر تعليق رسمي من شركة "بلاك كور" بشأن المزاعم الواردة في تصريحاته.
"الخوارزميات الأجنبية" تشعل الجدل
يرى التيار اليساري الكولومبي أن وجود شركة بحجم "بلاك كيوب"، المعروفة بنشاطها في مجال جمع المعلومات الرقمية والتحقيقات الخاصة، يمثل مؤشراً على تدخل خارجي يهدف إلى إعادة البلاد إلى المسار المحافظ وتعزيز تحالفاتها مع واشنطن وتل أبيب.
وسرعان ما امتد الجدل إلى بيرو، حيث أبدى أنصار اليسار مخاوف مشابهة عقب الانتخابات الرئاسية التي حُسمت بفارق ضئيل بين مرشحة اليمين كيكو فوجيموري ومنافسها اليساري روبرتو سانتشيز.
ورغم قبول سانتشيز بنتائج الانتخابات لتجنب أزمة دستورية، تقدم تحالفه السياسي "معاً من أجل البيرو" بطعون تطالب بإلغاء أكثر من 1700 لجنة انتخابية، مستنداً إلى ما وصفه بـ"أنماط غير معتادة" في تحديث نتائج الفرز الإلكتروني، خصوصاً في أصوات الخارج والمناطق الحضرية الكبرى التي رجحت كفة منافسته.
اتهامات بلا أدلة جنائية
ويرى متابعون للشأن اللاتيني أن هذه الاتهامات تحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونها قانونية، إذ تهدف، بحسب تقديراتهم، إلى التشكيك في شعبية الحكومات اليمينية الجديدة وحشد المعارضة الداخلية ضدها.
ويشير هؤلاء إلى أن الطعون المقدمة في كولومبيا وبيرو تركز بشكل أساسي على مراجعة المحاضر الانتخابية والحسابات اليدوية ومدى تطابقها مع النتائج الإلكترونية، دون وجود أدلة جنائية رقمية تثبت حتى الآن اختراق أنظمة الانتخابات أو تورط شركة إسرائيلية في تغيير النتائج.
كما يؤكدون أن قرارات الهيئات الانتخابية والمحاكم المختصة، إضافة إلى تقارير المراقبين الدوليين، لم تجد ما يثبت وجود مخالفات جوهرية تؤثر في نزاهة الانتخابات.
ضغوط إقليمية وانتقال سلمي للسلطة
من جانبه، وصف الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا الاتهامات بأنها محاولة لضرب المؤسسات الديمقراطية، مؤكداً أن الهيئات الانتخابية في البلاد حظيت بإشادة من بعثات المراقبة الدولية.
بدوره، دعا تحالف "درع الأمريكيتين"، المدعوم من الولايات المتحدة، إلى احترام النتائج الرسمية للانتخابات الكولومبية، محذراً من أي محاولات لتعطيل الانتقال السلمي للسلطة.
كما أعربت مذكرة دبلوماسية مشتركة وقعتها الولايات المتحدة و12 دولة في أمريكا اللاتينية والكاريبي عن القلق من التشكيك في نتائج الانتخابات دون تقديم أدلة، معتبرة أن عرقلة انتقال السلطة تمثل مساساً بالإرادة الشعبية.
وفي ظل تصاعد الضغوط الإقليمية، أعلنت الرئاسة البرازيلية أن الرئيس غوستافو بيترو أكد خلال اتصال مع نظيره البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا التزامه بمغادرة منصبه في الموعد الدستوري المحدد في السادس من أغسطس/آب المقبل، والعمل على ضمان انتقال منظم وسلمي للسلطة.
وتسلط هذه الأزمة الضوء على تنامي المخاوف في أمريكا اللاتينية بشأن تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشبكات الرقمية على العمليات الانتخابية، في وقت تتزايد فيه المنافسة السياسية بين التيارات اليسارية والمحافظة في المنطقة.
وفي سياق متصل، هنأ رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس المنتخب أبيلاردو دي لا إسبريلا، معربًا عن تطلعه إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين إسرائيل وكولومبيا، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا إلى احتمال حدوث تحول في توجهات السياسة الخارجية للحكومة الجديدة.
وتظل الاتهامات التي طرحها بيترو دون إثبات مستقل حتى الآن، بينما تتمسك السلطات الانتخابية الكولومبية والمراقبون الدوليون بصحة النتائج الرسمية ونزاهة العملية الانتخابية.