حين يرحل الكبار... تبقى المآثر شاهدًا لا يموت
رثاء في رحيل الطبيب والإنسان والقائد الوطني والأكاديمي الدكتور خليل محمد طه أبو فول (أبو محمد)
ليس الموتُ هو ما يُحزننا حين يرحل الكبار، فالموتُ حقٌّ كتبه الله على عباده، وإنما يُحزننا ذلك الفراغُ الذي يخلِّفه الرجالُ الذين كانت لهم بصمةٌ في حياة الناس، وأثرٌ طيبٌ في ميادين العلم والعمل والعطاء.
ترجّل اليوم فارسٌ من فرسان الوطن، وطويت صفحةٌ من صفحات العطاء الفلسطيني النبيل، برحيل الطبيب والإنسان والقائد الوطني والأكاديمي الدكتور خليل محمد طه أبو فول (أبو محمد)، رئيس مجلس أمناء جامعة الأزهر في دولة فلسطين – غزة، وعضو المؤتمر الحركي العام الثامن لحركة فتح لعام 2026، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في جمهورية مصر العربية، اليوم الخميس الموافق 23/7/2026، بعد رحلةٍ شاقةٍ من الصبر ومقاومة المرض.
لقد كان الفقيد من أولئك الرجال الذين لا تُختصر سيرتهم بمنصبٍ أو لقب، بل تُكتب بحروفٍ من أخلاقهم ومواقفهم وسنوات عطائهم. جمع بين رسالة الطبيب الذي يضمد الجراح، ورسالة الأكاديمي الذي يبني العقول، ورسالة الوطني الذي آمن بأن خدمة الإنسان هي أسمى صور الانتماء للوطن، فكان حاضرًا في ميادين العطاء الإنساني والاجتماعي والوطني، تاركًا خلفه إرثًا من المحبة والاحترام والتقدير.
لم يكن الدكتور خليل أبو فول مجرد اسمٍ في سجل المسؤوليات، بل كان مدرسةً في الالتزام الخُلقي والوطني، ورمزًا للتواضع والإخلاص، حمل هموم أبناء شعبه بقلب الطبيب، وأدار مسؤولياته بعقل الأكاديمي، وانحاز دومًا لقيم الخير والعلم والإنسان.
وما أشدَّ قسوة الرحيل حين يخطف منا رجالًا كانت قلوبهم تتسع للجميع، وأيديهم تمتدُّ بالعطاء دون ضجيج، وألسنتهم لا تعرف إلا لغة الاحترام والمحبة. فالرجال العظام لا يُقاسون بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه في قلوب الناس من أثرٍ جميل، وما يغرسونه في دروب الحياة من قيمٍ ومبادئ تبقى بعد رحيلهم.
إن جامعة الأزهر في فلسطين، والمؤسسات الوطنية والأكاديمية والطبية، ومعها أبناء شعبنا الفلسطيني، تفقد اليوم قامةً وطنيةً وإنسانيةً مرموقةً، كان حضورها عنوانًا للعطاء، وسيرتها عنوانًا للنبل والوفاء.
نم قرير العين يا أبا محمد، فقد تركت في هذه الدنيا ما يبقي ذكرك حيًّا بين الناس، وستظل سيرتك العطرة شاهدةً على أن الرجال يرحلون بأجسادهم، لكن مآثرهم لا ترحل، وأن أصحاب الرسالات الحقيقية لا يغيبون، بل يسكنون ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه.
رحم الله الدكتور خليل محمد طه أبو فول رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدَّمه من علمٍ وعملٍ وخدمةٍ للإنسان والوطن في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
إنا لله وإنا إليه راجعون.