عبري: سموتريتش يُحدث "تغييرات جذرية" في الضفة الغربية لترسيخ الضم الفعلي
تجسيدا لـ "الإرهاب اليهودي"..
تل أبيب: أحدث وزير مالية دولة الاحتلال والوزير في وزارة الجيش، الإرهابي بتسلئيل سموتريتش، خلال ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، تغييرات واسعة في البنية الإدارية والاستيطانية والأمنية في الضفة الغربية المحتلة، عبر نقل صلاحيات مدنية من الجيش إلى أطر سياسية خاضعة له، وتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية، وتوسيع الاستيطان الرعوي، وإعادة إقامة مستوطنات في شمال الضفة، في مسار يرسّخ ضمًا فعليًا ويصعّب التراجع عنه مستقبلًا.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية يوم الأربعاء، لم ينجح سموتريتش في تنفيذ وعده بفرض ما تسميه إسرائيل "السيادة" رسميًا على الضفة، في إشارة إلى الضم الرسمي، لكنه تمكّن من تحويل جزء كبير من برنامجه الاستيطاني إلى وقائع إدارية وميدانية، مستفيدًا من الصلاحيات التي حصل عليها داخل وزارة الأمن ومن انشغال الرأي العام بالحرب.
ويرى سموتريتش وأنصاره في المستوطنات أن ما تحقق خلال السنوات الأربع الماضية يشكل تنفيذًا لرؤية سياسية كانت، حتى وقت قريب، تُعد بعيدة المنال، بينما يحذر معارضو هذه السياسة في إسرائيل من أنها تفرض ضم الضفة كواقع على الأرض يهدد بتحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، وتزيد عزلة إسرائيل القانونية والسياسية، وتغذي حالة من الانفلات وإرهاب المستوطنين.
ويقر التقرير بأن الواقع في الضفة الغربية تغير بصورة عميقة خلال ولاية الحكومة الحالية، وأن إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل هذه الإجراءات ستكون بالغة الصعوبة، حتى في حال تبدل الحكومة أو تغير الائتلاف الحاكم.
نقل صلاحيات من الجيش إلى إدارة سياسية
وكان أبرز التحولات التي قادها سموتريتش نقل قسم مهم من صلاحيات "الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي إلى أطر مدنية وسياسية خاضعة له داخل وزارة الأمن.
ولا تزال الإدارة المدنية، التي تدير شؤون جيش الاحتلال المدنية في الضفة، برئاسة ضابط برتبة عميد، وتشرف على ملفات تشمل التخطيط والبناء والأراضي والبنية التحتية. لكن سموتريتش قاد منذ دخوله الحكومة مسارًا لنقل صلاحيات منها إلى ما يسمى "إدارة الاستيطان"، وهي هيئة تم حلها بعد اتفاق أوسلو، ثم اعادت حكومة نتنياهو عملها ..
وفي عام 2023، وقّع سموتريتش ونتنياهو ووزير الجيش حينها يوآف غالانت وثيقة تنظم نقل هذه الصلاحيات بعد خلافات طويلة داخل الحكومة والمؤسسة الأمنية.
ولم تُنقل الإدارة المدنية بكاملها من الإطار العسكري، لكن جزءًا واسعًا من صلاحياتها المدنية انتقل إلى جهاز خاضع لسموتريتش، فيما تقرر نقل مقرها من قاعدة عسكرية إلى مستوطنة"شاعَر بنيامين" الصناعية الاستيطانية.
ويعني هذا التحول، عمليًا إسناد ملفات الأراضي والتخطيط والاستيطان إلى جهاز سياسي يعمل وفق برنامج معلن يهدف إلى توسيع المستوطنات ومنع إقامة دولة فلسطينية.

سموتريتش يعرض خريطة منطقة E1 قرب مستوطنة معاليه أدوميم، آب 2025
ويصف معارضو هذه الخطوات بأنه ضم فعلي ومتسارع، حتى في غياب إعلان قانوني إسرائيلي رسمي، معتبرين أن نقل صلاحيات إدارة الأراضي والتخطيط إلى هيئة سياسية يفرغ الإدارة العسكرية من مضمونها ويخلق تسلسلًا حكوميًا موازيًا يوجه القرارات المتعلقة بالضفة وفق أولويات المستوطنين.
كما يحذرون من أن إخضاع هذه الملفات لسموتريتش يهدف إلى تسريع شرعنة البؤر وتوسيع المستوطنات، على حساب حقوق الفلسطينيين في أراضيهم وممتلكاتهم، وقد يعرقل آليات اتخاذ القرار داخل الجيش ويضاعف التوتر الميداني والتبعات القانونية والدبلوماسية على إسرائيل.
ولا يخفي سموتريتش الهدف السياسي لهذه الإجراءات، إذ يقوم موقفه على أن تكريس أكبر عدد ممكن من الوقائع في الضفة سيجبر الفلسطينيين والمجتمع الدولي، لاحقًا، على التعامل معها باعتبارها أمرًا قائمًا لا يمكن تغييره.
103 مستوطنات ومئات البؤر الاستيطانية
وشكّل تحويل البؤر الاستيطانية التي يفترض أنها غير قانونية وفقا للقانون الإسرائيلي نفسه، إلى مستوطنات معترف بها إسرائيليًا، محورًا أساسيًا في برنامج سموتريتش.
وخلال ولاية الحكومة الحالية، أقرت الحكومة الإسرائيلية 103 تجمعات استيطانية جديدة، تشمل بؤرًا توصف إسرائيليًا بـ"الاستيطان الشاب"، إلى جانب بؤر أقيمت من دون موافقات رسمية ثم جرى تحويلها إلى مستوطنات مستقلة أو إدراجها ضمن مستوطنات قائمة.
وبذلك انتقلت عشرات البؤر من وضع مؤقت وغير معترف به حتى وفق القانون الإسرائيلي إلى تجمعات تحظى بالتخطيط والميزانيات وربطها بالبنية التحتية والحماية العسكرية.
وتتجاوز دلالة هذه القرارات مجرد منح تراخيص بناء، إذ تؤسس لانتشار استيطاني أوسع وتتيح تحويل تجمعات محدودة إلى مستوطنات دائمة، مع شق طرق وتوسيع مناطق نفوذ والسيطرة على مساحات إضافية من الأراضي الفلسطينية.
المزارع الاستيطانية تسيطر على أكثر من مليون دونم
وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أُنشئ اتحاد للمزارع الاستيطانية بهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية على المناطق المفتوحة في الضفة من خلال الرعي والزراعة.
ويعمل هذا الاتحاد بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، فيما تحولت ما يعرف إسرائيليا بـ"المزارع الرعوية" إلى إحدى الأدوات الرئيسية للسيطرة على مساحات واسعة بأعداد قليلة من المستوطنين، وتهجير التجمعات الفلسطينية في أنحاء الضفة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، تسيطر هذه المزارع حاليًا على أكثر من مليون دونم في أنحاء الضفة الغربية، في حين لا تتجاوز المساحة المبنية لجميع المستوطنات والمدن الاستيطانية مجتمعة 200 ألف دونم.
وتُظهر هذه المقارنة أن الأثر الفعلي لـ"المزارع الاستيطانية" و"الاستيطان الرعوي" لا يتعلق بحجم البناء، بل بقدرتها على فرض السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي والمراعي والطرق والمصادر الطبيعية المحيطة بها.
وازداد عدد هذه المزارع من نحو 50 مزرعة عام 2022 إلى قرابة 140 مزرعة عام 2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف خلال أربع سنوات.
ويربط منتقدو المشروع بين توسعه وبين ارتفاع مستوى الاعتداءات على الفلسطينيين والإرهاب اليهودي، إذ تقام المزارع في مناطق مفتوحة قرب التجمعات البدوية والقرى الفلسطينية، ويترافق انتشارها في حالات عديدة مع منع الرعاة والمزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو تهجير السكان عبر إجبارهم على الرحيل.
كما يشير التقرير إلى أن "الاحتكاكات" المرتبطة بالمزارع، في إشارة إلى الإرهاب اليهودي في الضفة، وذكر أنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى مواجهات متكررة أسفرت عن قتلى وجرحى فلسطينيين برصاص المستوطنين أو قوات الاحتلال.

كاتس وسموتريتش خلال مراسم إعادة إقامة مستوطنة "سا-نور" جنوبي جنين، نيسان الماضي
ويربط التقرير كذلك بين هذا الواقع وبين العدوان الأخير في منطقة نابلس والمواجهات في بلدة تل التي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين وقُتل فيها ضابط في الجيش الإسرائيلي وأحد أفراد "فرقة التأهب" في مستوطنة "حفات غلعاد"، من دون أن يغير ذلك من حقيقة أن توسع "المزارع الاستيطانية" كان عاملًا رئيسيًا في تصاعد الإرهاب والعنف اليهودي والتهجير في المناطق الريفية الفلسطينية.
إعادة الاستيطان في شمال الضفة
وامتد التحول الاستيطاني إلى شمال الضفة الغربية، حيث ألغت الحكومة الإسرائيلية القيود التي كانت تمنع المستوطنين من العودة إلى مواقع أخليت عام 2005 بموجب قانون "فك الارتباط" عن قطاع غزة.
ومع أن استئناف الاستيطان في مستوطنات شمال الضفة لم تكن في مقدمة التعهدات الانتخابية التي أعلنها سموتريتش، فإنها أصبحت جزءًا مركزيًا مما يصفه أنصاره بـ"ثورة الاستيطان".
وأعيد خلال الفترة الأخيرة إنشاء مستوطنة "سا-نور"، فيما جرت شرعنة البؤرة المقامة في موقع مستوطنة "حومش" التي أُخليت عام 2005، بعد أن تحولت لسنوات إلى مركز لإرهاب المستوطنين شمالي الضفة.
ويتوقع، وفق التقرير، إقامة مستوطنات إضافية في شمال الضفة خلال الصيف، في إشارة إلى مستوطنتي "غَنيم"و"كديم" المخلاة، في استكمال لمسار إعادة الانتشار الاستيطاني في المنطقة.
كما سُرّعت خلال العام الأخير المصادقة على مخططات ومستوطنات في أنحاء الضفة، وسط خشية لدى قادة المستوطنين واليمين الإسرائيلي من خسارة السلطة أو تغيير الحكومة، بما يدفعهم إلى تثبيت أكبر عدد ممكن من القرارات قبل الانتخابات.
تسريع الخطوات تحت غطاء الحرب
ويرى معارضو سياسة سموتريتش أنه استغل الحرب والانشغال الأمني والإعلامي لتطبيق تغييرات كان من الصعب تمريرها في ظروف سياسية عادية.
وتركزت جهود سموتريتش وموارد مالية كبيرة، وفق التقرير، في تمويل البنية التحتية للمستوطنات وإقرار تجمعات جديدة وتعزيز السيطرة على الأراضي.

مواطن فلسطيني قرب آلية عسكرية تغلق الطريق إلى جبل طاروسة في دورا جنوبي الخليل، حزيران الماضي
وتحذر جهات إسرائيلية معارضة للاستيطان من أن هذا المسار قد يتحول إلى عبء سياسي وقانوني وأمني، خصوصًا مع ازدياد الانتقادات الدولية لإسرائيل واعتبار نقل السكان إلى الأراضي المحتلة وتغيير وضعها انتهاكًا للقانون الدولي.
وتشير هذه التحذيرات إلى أن استمرار السياسة الحالية قد يوسع عزلة إسرائيل، ويضر بعلاقاتها مع حلفائها، ويفرض عليها أثمانًا اقتصادية وسياسية تمس مستوى المعيشة والعلاقات الخارجية.
وقالت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية إن سموتريتش أثبت خلال نحو أربع سنوات أنه "الوزير الأكثر قطاعية في حكومة مشبعة أصلًا بالسياسات القطاعية".
وأضافت أن سموتريتش "كرّس كل جهوده لدفع الاستيطان، وتحويل ميزانيات ضخمة إلى المستوطنات، وتعميق العزلة الدولية لإسرائيل"، معتبرة أن سنوات حكومة نتنياهو وسموتريتش أفضت إلى "مزيد من المستوطنين والتطرف والعنف".
وحذرت الحركة من أن "دولة بلا حدود واضحة قد تنحدر بسرعة إلى الفوضى".
تصاعد إرهاب المستوطنين
وترافق التوسع الاستيطاني وتزايد عدد البؤر الاستيطانية مع تصعيد اعتداءات المستوطنين وهجماتهم الإرهابية على الفلسطينيين في الضفة.

منظر لجدار الفصل وبلدة العيزرية ومستوطنة "معاليه أدوميم" شرقي القدس، آب 2025
فبينما كانت هذه الاعتداءات، وفق توصيف التقرير، تُنسب في السابق إلى مجموعات محدودة من "الفتية"، على حد تعبير الصحيفة، الذين يتسللون ليلًا إلى القرى ويخربون المركبات ويكتبون شعارات عنصرية، أصبحت في السنوات الأخيرة تنفذ بأعداد أكبر وبمشاركة شبان وبالغين، وفي وضح النهار، ومن دون خشية تذكر من الملاحقة.
كما اتسع حجم الأضرار، ولم يعد يقتصر على الممتلكات، بل شمل اعتداءات مباشرة على فلسطينيين "لا علاقة لهم بأي أحداث أمنية".
ويربط التقرير هذا التصاعد بتغير الواقع الميداني واتساع انتشار المستوطنين في المناطق المفتوحة، إلى جانب عجز جيش وشرطة الاحتلال عن منع الاعتداءات المتكررة أو مواجهتها بصورة فعالة، فضلا عن حمايتها والمشاركة فيها في معظم الحالات.
وتتبنى الشرطة الإسرائيلية تصنيفًا انتقائيًا لهذه الأحداث؛ إذ لا تعتبر كل مواجهة بين فلسطينيين وجنود عملية، كما لا تصنف كل إحراق لمركبة فلسطينية على أنه جريمة ذات دوافع قومية.
مكتب سموتريتش: نفذنا تعهداتنا كاملة
من جانبه، وصف مكتب سموتريتش الخطوات التي اتخذها خلال ولاية الحكومة بأنها "ثورة تاريخية في يهودا والسامرة"، التسمية التوراتية للضفة الغربية المحتلة، وزعم المكتب أن هذه الإجراءات تستهدف "تعزيز أمن دولة إسرائيل واقتلاع فكرة إقامة دولة إرهاب في قلبها"، في إشارة إلى رفض إقامة دولة فلسطينية.
وأضاف أن ما وصفه بـ"ثورة الاستيطان" كان جزءًا أساسيًا من تعهدات سموتريتش الانتخابية، وأنها "نُفذت كاملة، بل وأكثر من ذلك".
وبين نقل الصلاحيات المدنية، وشرعنة البؤر، والسيطرة على أكثر من مليون دونم عبر المزارع الاستيطانية، وإعادة إقامة مستوطنات شمال الضفة، نجح سموتريتش في تحويل برنامجه السياسي إلى منظومة إدارية وميدانية متكاملة، حتى من دون إعلان رسمي بضم الضفة.
ولا يقتصر أثر هذه المنظومة على زيادة أعداد المستوطنين أو مساحة البناء، بل يمتد إلى تغيير طريقة إدارة الأرض، وتوزيع الصلاحيات، وفرض السيطرة على المناطق المفتوحة، وتوسيع الحضور المسلح للمستوطنين، بما يعمق تفتيت الجغرافيا الفلسطينية ويجعل أي تسوية مستقبلية أو تراجع عن هذه السياسات أكثر تعقيدًا.