بين انتظار التغيير وتكريس اليأس: أين تقف ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم؟
في ظل التحولات السياسية المتسارعة والضغوط الاقتصادية والأمنية التي يعيشها الفلسطينيون، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل ما زال الشارع الفلسطيني يثق بمؤسساته وقيادته، أم أن حالة من الإحباط وفقدان الثقة أصبحت السمة الغالبة؟
على مدار السنوات الأخيرة، شهدت مستويات الثقة بالمؤسسات الرسمية تراجعاً ملحوظاً، انعكس في الخطاب الشعبي، وفي السلوك اليومي للمواطنين. فبينما تُحاول الجهات الرسمية التأكيد على قدرتها على إدارة الأزمات وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار، يبدو أن هذه الرسائل لم تعد تلقى الصدى ذاته لدى الجمهور كما في السابق.
تراجع الثقة في ظل الأزمات المركبة
لا يمكن فصل تراجع ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم عن السياق العام الذي يعيشه المجتمع، حيث تتداخل الأزمات السياسية مع الاقتصادية، ويزداد الشعور بعدم اليقين.
فاستمرار الانقسام السياسي، وغياب الأفق الواضح للحل، إلى جانب تراجع الأوضاع المعيشية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف صورة المؤسسات الرسمية.
ويعبّر كثير من المواطنين عن شعورهم بأن القرارات المصيرية لا تعكس تطلعاتهم، وأن قدرتهم على التأثير في المشهد السياسي محدودة. يقول أحد المواطنين: "نسمع تصريحات كثيرة، لكن على أرض الواقع لا يتغير شيء، وهذا ما يجعل الناس تفقد الأمل تدريجياً". بينما يرى آخر أن "المشكلة ليست فقط في الأداء، بل في غياب الشفافية والمساءلة".
هل ما زال التغيير ممكناً؟
رغم هذا التراجع في الثقة، لا يمكن القول إن فكرة التغيير السياسي قد اختفت بالكامل من الوعي الجمعي الفلسطيني. فما زال هناك شريحة من المجتمع تعوّل على إمكانية حدوث تحول، سواء من خلال إصلاحات داخلية أو عبر متغيرات إقليمية ودولية.
لكن في المقابل، تتسع دائرة الإحباط، خاصة بين فئة الشباب، الذين يرون أن الفرص السياسية مغلقة، وأن التغيير إن حدث سيكون بطيئاً ومحدوداً. وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي هاني المصري أن أزمة التغيير في الحالة الفلسطينية لا ترتبط بغياب الرغبة الشعبية، بقدر ما ترتبط بغياب البدائل والأدوات السياسية القادرة على ترجمة هذه الرغبة إلى واقع. ويؤكد أن أي مسار سياسي، بما في ذلك الانتخابات، لن يكون قادراً على إحداث تحول حقيقي دون توافق وطني شامل وإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، محذراً في الوقت ذاته من أن استمرار هذا الفراغ قد يقود إلى مزيد من الفوضى وتآكل الثقة بالمؤسسات.
الانتخابات: أمل مؤجل أم فرصة حقيقية؟
تشكل الانتخابات نظرياً أحد أهم أدوات التغيير الديمقراطي، إلا أن نظرة الشارع الفلسطيني إليها باتت أكثر تعقيداً.
فبعد سنوات من تأجيلها، بات كثيرون يتساءلون عن جدواها، وعن مدى قدرتها فعلياً على إحداث تحول حقيقي في بنية النظام السياسي.
هناك من يرى أن أي انتخابات قادمة قد تشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتجديد الشرعيات، وفتح المجال أمام قيادات جديدة. لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن التوقعات يجب أن تبقى محدودة، في ظل التحديات القائمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
انعكاسات فقدان الثقة على السلوك اليومي
لا يتوقف أثر تراجع الثقة عند حدود المواقف السياسية، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على سلوك الأفراد في حياتهم اليومية.
فعندما يشعر المواطن بأن هناك غياباً لجهة قادرة على حمايته أو إدارة الأزمات بفعالية، يصبح أكثر عرضة للقلق، وربما للهلع عند أي تطور مفاجئ.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في ردود فعل المواطنين عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال توجيه ضربة لإيران، حيث شهدت محطات الوقود إقبالاً كثيفاً وغير مسبوق. هذا السلوك، رغم محاولات التطمين الرسمية، يعكس عمق الشعور بعدم الأمان، وغياب الثقة بقدرة الجهات المعنية على احتواء أي تداعيات محتملة.
ويعلّق أحد الخبراء الاجتماعيين على ذلك بالقول: "عندما يفقد الناس الثقة بالمؤسسات، فإنهم يلجؤون إلى ردود فعل فردية، غالباً ما تكون مدفوعة بالخوف، وليس بالمعطيات الواقعية".
بين الطمأنة الرسمية وواقع الشارع
تحاول الجهات الرسمية باستمرار طمأنة المواطنين، والتأكيد على أن الأمور تحت السيطرة، إلا أن هذه الرسائل تصطدم بحالة من الشك المتراكم. فالثقة، كما يشير كثير من المختصين، لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل تحتاج إلى ممارسات ملموسة، وشفافية، وإشراك حقيقي للمواطن في صنع القرار.
وفي ظل غياب هذه العناصر، تبقى الفجوة قائمة بين الخطاب الرسمي وتصورات الشارع، ما يعزز من حالة القلق وعدم اليقين.
يقف الشارع الفلسطيني اليوم عند مفترق طرق بين أملٍ لم ينطفئ تماماً، وإحباطٍ يتسع تدريجياً. فبين من ما زال ينتظر تغييراً سياسياً حقيقياً، ومن يرى أن الواقع بات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، تبقى الثقة بالمؤسسات هي العامل الحاسم.
وعندما تتآكل هذه الثقة، لا ينعكس ذلك فقط على المواقف السياسية، بل يمتد ليؤثر في إحساس الناس بالأمان، وفي طريقة تفاعلهم مع الأحداث اليومية.
وهو ما يجعل استعادة هذه الثقة ضرورة ملحّة، ليس فقط لاستقرار النظام السياسي، بل أيضاً لحماية المجتمع من الانزلاق نحو مزيد من القلق والهلع عند كل أزمة.