روبن هود في زمن الإنهيار
قبل الشروع في هذا المقال، من الضروري التأكيد أن غايته ليست إصدار أحكام أخلاقية على الناس وهم يعيشون واحدة من أقسى تجارب الإبادة في التاريخ المعاصر، ولا مساءلة الضحايا عن خيارات فرضتها ظروف تتجاوز قدرة البشر على الاحتمال. فحين يصبح البقاء نفسه معركة يومية، تغدو الأحكام الأخلاقية السريعة ضربًا من القسوة أكثر منها بحثًا عن الحقيقة.
ومع ذلك، فإن الامتناع عن إصدار الأحكام لا يعني الامتناع عن الفهم. فالإبادة ليست مشروعًا يستهدف الأجساد وحدها، وإنما تمتد آثارها إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي، حيث تعيد تشكيل العلاقات والمعايير، وتدفع المجتمع، تحت وطأة الجوع والخوف والاقتلاع وانهيار المؤسسات، إلى أنماط جديدة من التفكير والسلوك. ومن هنا، فإن السؤال الذي يحاول هذا المقال مقاربته ليس: لماذا يخطئ الناس تحت الإبادة؟ بل: كيف تستطيع الإبادة أن تعيد تعريف معنى الخطأ نفسه؟
إن أخطر ما تنتجه المجتمعات المأزومة ليس اتساع رقعة الفقر، ولا حتى ارتفاع معدلات الجريمة، فهذه جميعها نتائج متوقعة في ظل الحروب والانهيار. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتعرض المنظومة الأخلاقية ذاتها لإعادة تشكيل بطيئة، فيتحول ما كان يُنظر إليه بوصفه استثناءً فرضته الضرورة إلى قاعدة جديدة للسلوك، ويغدو المؤقت دائمًا، والاستثنائي مألوفًا، والمرفوض قابلًا للتبرير.
هذه هي اللحظة التي يمكن وصفها بـ "التطبيع الأخلاقي مع الاستثناء"؛ فالاستثناء، بحكم تعريفه، هو خروج مؤقت عن القاعدة تفرضه ظروف قاهرة، ويظل في الوعي الجمعي محتفظًا بصفته الاستثنائية. لكن حين تطول الكارثة، ويتكرر الاستثناء حتى يصبح الإيقاع اليومي للحياة، يبدأ الوعي في إعادة تصنيفه. فلا يعود انحرافًا عن القاعدة، بل يتحول تدريجيًا إلى القاعدة نفسها، بينما تبدو القيم التي حكمت المجتمع في زمن الاستقرار وكأنها مثاليات بعيدة لا تنتمي إلى الواقع.
وهنا يتحقق أخطر ما يمكن أن تصنعه الإبادة؛ فهي لا تفرض على الإنسان أن يعيش في ظروف استثنائية فحسب، بل تدفعه، ببطء ومن حيث لا يشعر، إلى إعادة بناء منظومته الأخلاقية بما يتلاءم مع تلك الظروف. وما كان بالأمس سلوكًا اضطراريًا تفرضه الحاجة، قد يصبح اليوم ممارسة مألوفة، ثم يتحول غدًا إلى معيار اجتماعي غير معلن. وبهذا الانتقال الصامت، لا ينتقل المجتمع من الاستثناء إلى القاعدة، بل من أخلاق الاستثناء إلى استثناء الأخلاق.
غير أن هذا التحول يقتضي قدرًا كبيرًا من الدقة في التحليل؛ إذ ليس كل تجاوز أخلاقي في زمن الإبادة يحمل المعنى نفسه. فثمة فرق جوهري بين من تدفعهم الضرورة إلى خيارات قاسية فرضتها معركة البقاء، وبين من يحولون الكارثة إلى فرصة لتعظيم الثروة أو النفوذ أو احتكار الموارد. وما لم يُحافظ على هذا التمييز، فإن التحليل يتحول إلى ظلم مزدوج؛ إذ يساوي بين الضحية التي أكرهتها الضرورة، وبين المستفيد الذي اتخذ من الضرورة تجارة.
ولهذا يميز علم الاجتماع بين "أخلاق النجاة"، التي تنشأ عندما يصبح الحفاظ على الحياة القيمة العليا، و"اقتصاد الاستغلال" الذي يتغذى على معاناة الآخرين ويعيد إنتاجها بوصفها فرصة للربح والهيمنة. فالنجاة ليست جريمة، كما أن الضرورة لا تمنح أحدًا حصانة أخلاقية للاستغلال. وبين هذين الحدين، تتحدد طبيعة التحولات التي يعيشها أي مجتمع يقع تحت وطأة العنف الممتد.
لكن التحولات الأخلاقية لا تبدأ حين يرتكب الناس الخطأ، وإنما تبدأ حين يتغير معنى الخطأ في وعيهم الجمعي، ففي الظروف الطبيعية، تُراجع الأفعال في ضوء القيم؛ أما في المجتمعات التي تعيش انهيارًا ممتدًا، فتبدأ القيم نفسها في إعادة التشكل تحت ضغط الأفعال، عندها لا يعود السؤال: هل هذا الفعل مشروع؟ بل يصبح: هل ما زال بالإمكان العيش وفق المعايير القديمة؟ وحين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، تكون نقطة التحول قد حدثت بالفعل، لأن المجتمع لم يعد يقيس سلوكه بمعاييره، بل صار يعيد صياغة معاييره بما يسمح له بالاستمرار في العيش.
ومن هنا تبدأ أخطر مراحل التحول الاجتماعي: إعادة إنتاج الشرعية الأخلاقية للخطأ، فالاحتكار لا يُقدَّم بوصفه استغلالًا، بل بوصفه مهارة في إدارة الندرة، والانتهازية تُسمى قدرة على التكيف، واستغلال حاجة الآخرين يُلبس ثوب "الشطارة"، أما التجاوزات فتُبرَّر بعبارة تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها شديدة الخطورة في آثارها: "الجميع يفعل ذلك."
هذه العبارة ليست مجرد تبرير عابر، بل هي إحدى أكثر آليات الدفاع الاجتماعي تعقيدًا، فالإنسان يصعب عليه أن يعيش طويلًا وهو يشعر بأنه يتخلى عن منظومته الأخلاقية، لذلك يبحث، فردًا كان أو جماعة، عن وسائل تحمي صورته أمام نفسه، وإذا عجز عن تغيير الواقع، يبدأ بتغيير تفسيره للواقع، وهنا لا يُعاد تعريف الأفعال، بل يُعاد تعريف الضمير نفسه.
إن تعميم الخطأ لا يخفف من انتشاره فحسب، بل يخفف أيضًا من الشعور بالذنب. فحين يصبح الجميع شركاء في التجاوز، يغدو الاعتراف به إدانةً للجميع، فتتشكل حالة من الصمت المتبادل، لا لأن المجتمع فقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، بل لأنه أصبح يخشى الاعتراف بما يعرفه. وهكذا يتحول الصمت إلى آلية للحفاظ على التوازن النفسي أكثر من كونه قبولًا أخلاقيًا بما يجري.
وهنا تكمن إحدى أخطر النتائج السوسيولوجية للإبادة؛ إذ لا تقتصر آثارها على إنهاك الأجساد أو تدمير المؤسسات، بل تمتد إلى إنهاك القدرة الجماعية على الإدانة. فالممارسات التي كانت تستفز الضمير العام تتحول، مع الزمن، إلى وقائع مألوفة، ليس لأنها أصبحت أكثر عدالة، بل لأن المجتمع استُنزف إلى الحد الذي لم يعد يمتلك الطاقة الكافية لمقاومتها.
ولذلك لا تظهر هذه التحولات في الشعارات الكبرى، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية. فعندما يصبح احتكار السلع الأساسية وسيلة لتحقيق أرباح من جوع الآخرين، أو تتحول السوق السوداء إلى المرجع الحقيقي للأسعار، أو يصبح الحصول على المساعدات الإنسانية رهينًا بالوساطة أو النفوذ أو القرابة، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت بعدها الاقتصادي لتلامس البنية الأخلاقية للمجتمع.
وتتجلى هذه التحولات أيضًا عندما يُستغل احتياج الناس مقابل عمولة، أو يُفرض ثمن إضافي على خدمة يفترض أنها إنسانية، أو يصبح امتلاك العلاقات الشخصية أهم من امتلاك الحق نفسه. ومع مرور الوقت، لا يتغير السلوك وحده، بل تتغير اللغة التي تصفه. فتتراجع مفردات مثل الأمانة والنزاهة والمسؤولية، لتحل محلها كلمات من قبيل "الشطارة" و"تدبير الحال" و"اغتنام الفرصة". وعندما تتغير اللغة، تكون القيم قد بدأت بالفعل في تغيير مواقعها داخل الوعي الجمعي.
والأخطر من ذلك أن كثيرين يدركون أن هذه الممارسات خاطئة، لكنهم يفضلون الصمت. ليس لأنهم يوافقون عليها، بل لأن الخوف، أو الحاجة، أو الإحساس بالعجز، يجعل الاعتراض يبدو مكلفًا أو عديم الجدوى. وعند هذه النقطة، لا يصبح الصمت علامة رضا، بل أحد أعراض المجتمع المنهك الذي يحاول حماية ما تبقى لديه من قدرة على الاحتمال.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُقرأ هذه الظواهر بوصفها وصفًا للمجتمع كله، ولا دليلًا على انهياره الأخلاقي. فهي تمثل استجابات متفاوتة داخل مجتمع يتعرض لضغوط غير مسبوقة، وبينما ينزلق بعض الأفراد أو الشبكات إلى منطق الاستغلال، يواصل كثيرون، بصمت، ممارسة التكافل، وتقاسم القليل الذي يملكونه، وإيواء النازحين، ورعاية المرضى، والعمل التطوعي، وإنقاذ الغرباء دون انتظار مقابل، وهذا التعايش بين النزعتين يكشف أن المعركة الحقيقية ليست بين الخير والشر، بل بين قيم تحاول البقاء، وظروف تعمل بلا هوادة على تقويضها.
ولعل أخطر ما تكشفه المجتمعات الواقعة تحت الإبادة أن انهيار المعايير لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يتسلل إليها ببطء حتى يصبح المألوف بديلاً عن الصحيح. وقد التقطت حنة آرندت هذه الفكرة حين تحدثت عن "اعتيادية الشر"؛ فالشر لا يصبح أكثر خطورة لأنه أكثر عنفًا، بل لأنه يصبح أكثر ألفة، إنه يدخل الحياة اليومية متخفيًا في صورة السلوك المعتاد، حتى يفقد المجتمع حساسيته تجاهه، ويغدو ما كان يثير الصدمة بالأمس جزءًا من روتين اليوم.
وهذا تحديدًا ما تفعله الإبادة طويلة الأمد. فهي لا تُنتج العنف وحده، بل تُنتج الاعتياد عليه. ومع امتداد الجوع والخوف والاقتلاع، تتراجع القيم التي كانت تنظّم الحياة العامة، ويصبح البقاء القيمة العليا التي تُقاس بها جميع الأفعال. وعندما تحتكر النجاة المجال الأخلاقي، تبدأ بقية القيم في الانسحاب تدريجيًا، لا لأنها فقدت أهميتها، بل لأن الواقع لم يعد يمنح الناس القدرة على ممارستها كما كانوا من قبل.
غير أن تحويل البقاء إلى القيمة العليا لا يبرر تحويله إلى المرجعية الوحيدة. فهناك فرق بين أن تفسر الضرورة بعض السلوكيات، وبين أن تمنحها شرعية أخلاقية دائمة، عند هذه النقطة يبدأ أخطر أشكال التكيف الاجتماعي؛ إذ لا يعود المستغِل يرى نفسه مستغِلًا، بل ناجيًا، ولا يرى المحتكر نفسه محتكرًا، بل أكثر قدرة على إدارة الأزمة، ولا يرى الانتهازي نفسه انتهازيًا، بل شخصًا يعرف كيف يتعامل مع الواقع. إن الأفعال لا تتغير بقدر ما تتغير اللغة التي تصفها، لأن تغيير الأسماء أقل كلفة من تغيير السلوك.
وقد وصف إريك فورم هذه الآلية عندما تحدث عن ميل الإنسان إلى الهروب من مواجهة الحقيقة إذا كانت تفرض عليه مسؤولية أخلاقية مؤلمة. فالتبرير يمنح راحة نفسية مؤقتة، بينما يفرض الاعتراف واجب التغيير. ولذلك تميل الجماعات، كما يميل الأفراد، إلى إعادة تفسير الواقع حين تعجز عن تغييره، حفاظًا على تماسك صورتها عن نفسها. لكن هذه الراحة ليست سوى تأجيل للأزمة؛ لأن المجتمع الذي يعتاد تبرير أخطائه لا يعالجها، بل يحولها تدريجيًا إلى ثقافة.
ومن هنا يمكن فهم الشعبية الرمزية التي تحظى بها شخصيات مثل روبن هود. فالمجتمعات لا تبحث، في حقيقتها، عن لص نبيل، بل تبحث عن قصة تُخفف التوتر بين القانون والعدالة. إنها تبحث عن رمز يسمح لها بالإيمان بأن خرق القانون قد يكون أخلاقيًا عندما تعجز المؤسسات عن تحقيق الإنصاف. ولذلك لم يكن روبن هود، في الوعي الجمعي، احتفاءً بالسرقة بقدر ما كان احتجاجًا على غياب العدالة.
غير أن هذه الرمزية تحمل وجهًا آخر أكثر تعقيدًا، فحين تتحول الاستعارة إلى مرجعية، يصبح الخلط بين مقاومة الظلم وتبرير التجاوز أمرًا ممكنًا. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المجتمع قد يبدأ في البحث عن أبطال يعوضون غياب المؤسسات، بدلًا من المطالبة بإعادة بناء المؤسسات نفسها. والأسطورة، مهما بلغت جاذبيتها، لا تستطيع أن تحل محل القانون، ولا أن تؤسس عدالة مستدامة. إنها تُسكّن الشعور بالظلم، لكنها لا تزيل أسبابه.
وهذا هو الفارق بين مجتمع يقاوم الانهيار، ومجتمع يتكيف معه. الأول يرى في الاستثناء عبئًا ينبغي تجاوزه، أما الثاني فيتعلم كيف يعيش داخله حتى يتحول، ببطء، إلى نظام دائم. وعندما يحدث ذلك، لا تكون الإبادة قد نجحت في تدمير العمران فحسب، بل تكون قد بدأت بإعادة تشكيل الضمير الجمعي، بحيث يصبح التكيف مع الاختلال أكثر سهولة من مقاومته.
إعادة إعمار الضمير قبل إعادة إعمار الحجر
إن إعادة إعمار غزة لن تبدأ يوم تتوقف الحرب، ولن تتحقق بمجرد إزالة الركام أو تشييد المباني أو إصلاح البنية التحتية. فهذه، على ضرورتها، ليست سوى الخطوة الأولى في مسار أطول وأكثر تعقيدًا. فالمجتمعات لا تنهض بالإسمنت وحده، وإنما تنهض حين تستعيد قدرتها على التمييز بين ما فرضته الضرورة وما يجب ألا يتحول إلى قاعدة، وبين ما كان استجابةً استثنائية للبقاء وما ينبغي أن يبقى خارج المجال الأخلاقي للحياة الطبيعية.
ولهذا، فإن أخطر معارك ما بعد الإبادة لن تكون معركة إعادة البناء المادي، بل معركة استعادة الحدود الأخلاقية التي حاولت الحرب طمسها. فالإبادة لا تستهدف الإنسان في حياته فحسب، بل تستهدف ذاكرته الأخلاقية أيضًا؛ إنها تحاول أن تجعل المجتمع يعتاد ما لم يكن ينبغي أن يعتاده، وأن يقبل ما لم يكن يقبل به، وأن يعيد تعريف المقبول بما يتلاءم مع عالم صاغته القوة والعنف والندرة... لكن هذه ليست القصة الكاملة.
ففي قلب هذا الخراب الهائل، ما زالت غزة تنتج كل يوم ما يناقض منطق الإبادة، ما زالت هناك أمٌ تؤثر أبناء جيرانها على نفسها، وعائلة تفتح بيتًا لمهجَّرين رغم ضيق المكان، وشاب يحمل الطعام إلى من لا يعرفه، وطبيبة تواصل عملها بعد أن فقدت بيتها، ومتطوع يغامر بحياته لإنقاذ غريب، وأناس يقتسمون القليل لأنهم يدركون أن الكرامة لا تُقاس بما يملكه الإنسان، بل بما يرفض أن يفقده من إنسانيته.
هذه الصور ليست استثناءات هامشية، بل هي التعبير الأصدق عن البنية العميقة للمجتمع الفلسطيني، وهي تؤكد أن الصراع الحقيقي الذي تعيشه غزة ليس بين الخير والشر، وإنما بين منطقين متوازيين: منطق تفرضه الإبادة، يسعى إلى تطبيع الاستغلال وإعادة هندسة الضمير، ومنطق يقاوم هذا الانحدار بالتكافل والكرامة والمسؤولية الأخلاقية. وما دام هذا المنطق الأخير قادرًا على إنتاج نفسه، فإن المجتمع لم يُهزم، مهما بلغت فداحة الخسائر.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الإبادة ليس أن تقتل البشر، بل أن تدفعهم، من حيث لا يشعرون، إلى استعارة منطقها؛ منطق الاعتياد على الاستثناء، والتصالح مع الاختلال، والبحث عن مبررات تجعل ما كان مرفوضًا يبدو طبيعيًا. وعند تلك اللحظة، لا يكون الانتصار قد تحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي نفسه.
ولهذا، فإن مقاومة الإبادة لا تقتصر على حماية الأرض أو الدفاع عن الحياة، بل تشمل أيضًا حماية المعايير التي تمنح الحياة معناها. فالمجتمع الذي يحافظ، وسط المجاعة والخوف والاقتلاع، على قدرته على تسمية الخطأ خطأ، والاستغلال استغلالًا، والكرامة كرامة، هو مجتمع يؤسس منذ الآن لمرحلة التعافي، حتى وإن لم تنته الحرب بعد.
إن المعركة الكبرى ليست أن نمنع الاستثناء من الحدوث، فالحروب تفرض على المجتمعات ما لا تختاره، وإنما أن نمنعه من التحول إلى قاعدة، وأن نحول دون أن تصبح الضرورة فلسفة دائمة للحياة. فالمجتمعات تتعافى عندما تستعيد مؤسساتها، لكنها تستعيد مستقبلها فقط عندما تستعيد ضميرها.
وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق الذي تفرضه غزة اليوم: أن الإبادة قد تنجح في هدم المدن، لكنها لا تنتصر إلا إذا أقنعت المجتمع بأن التخلي عن معاييره هو الثمن الطبيعي للبقاء؛ أما حين يظل الضمير قادرًا على مقاومة هذا الإغراء، فإن إعادة الإعمار تكون قد بدأت بالفعل، حتى قبل أن توضع أول حجارة البناء