طولكرم بين الاستنزاف الاقتصادي وانهيار دورة الحياة التجارية
عندما يغلق "النجمة" أبوابه... فمن التالي؟
لم يكن إغلاق مطعم "النجمة" في مدينة طولكرم مجرد نهاية لمشروع تجاري عريق، بل كان إعلاناً مؤلماً عن مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي الذي يضرب المدينة. فالنجمة ليس أول من أغلق أبوابه، ولن يكون الأخير إذا استمرت الأوضاع على حالها، لأن ما يجري في طولكرم تجاوز حدود الركود الاقتصادي إلى حالة استنزاف شامل تهدد بإفراغ المدينة من مقوماتها الاقتصادية والاجتماعية.
في أسواق طولكرم اليوم، تتكرر المشاهد ذاتها؛ محال تجارية تعرض للإيجار أو للبيع، مطاعم أطفأت أفرانها، ورش إنتاج توقفت، وتجار فقدوا القدرة على الاستمرار. لم يعد السؤال: من سيغلق غداً؟ بل أصبح: من بقي قادراً على الصمود؟
لقد وصل أصحاب المصالح التجارية إلى قناعة قاسية مفادها أن سياسة "تلبيس الطواقي" وتدوير الديون لم تعد تنقذ أحداً. فالاستدانة لتسديد الإيجار، وتأجيل مستحقات الموردين، والاقتراض لدفع الرواتب، لم تعد حلولاً، بل تحولت إلى وصفة لتراكم الخسائر. ولذلك، بات كثيرون يرون أن وقف النزيف وإغلاق المنشأة، مهما كان القرار مؤلماً، أقل كلفة من الاستمرار في طريق يقود حتماً إلى الإفلاس.
إن الأزمة ليست أزمة تاجر أو صاحب مطعم، بل أزمة مدينة بأكملها. فمنذ أشهر طويلة تعيش طولكرم تحت وطأة الإغلاقات العسكرية، وتقييد الحركة، وتراجع النشاط التجاري، ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أعمالهم، وانخفاض القدرة الشرائية نتيجة الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد الفلسطيني. ومع كل يوم يمر، تتقلص السيولة في الأسواق، وتتآكل القدرة على الاستهلاك، فتدخل المدينة في دائرة انكماش يصعب كسرها.
إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها تضرب أساس الدورة الاقتصادية. فعندما يتوقف المواطن عن الإنفاق، يعجز التاجر عن البيع، ويعجز بدوره عن الوفاء بالتزاماته، فتتوقف المنشآت عن العمل، وتزداد البطالة، وينخفض الدخل، فتتراجع القوة الشرائية أكثر، لتدخل المدينة في حلقة مفرغة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وإذا كانت الحروب تُقاس عادة بعدد الضحايا وحجم الدمار، فإن للحروب الاقتصادية ضحايا من نوع آخر؛ منشآت تغلق، واستثمارات تهاجر، ورؤوس أموال تتآكل، وأسر تفقد مصادر رزقها. وهذا ما تعيشه طولكرم اليوم، حيث بات الاقتصاد المحلي يخوض معركة بقاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
إن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها بمرور الوقت، بل هو تحول خطير يهدد مستقبل المدينة إذا لم تتدخل الحكومة الفلسطينية بخطة إنقاذ عاجلة، تتضمن إعفاءات ضريبية، وتأجيل الالتزامات المالية، ودعماً مباشراً للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء صندوق لتعويض المتضررين، إلى جانب تحرك سياسي وقانوني لوقف السياسات التي تخنق الاقتصاد الفلسطيني.
إن إغلاق "النجمة" يجب ألا يُقرأ كخبر في الصفحات الاقتصادية، بل كجرس إنذار يدق بقوة. فحين تعجز مدينة عرفت بالحياة والحركة التجارية عن الحفاظ على مؤسساتها العريقة، فإن الخطر لم يعد يهدد أصحاب تلك المؤسسات وحدهم، بل يهدد هوية المدينة ومستقبلها الاقتصادي.
لقد أصبحت العبارة التي يرددها الناس في طولكرم: "الناس استوت... والبلد مستوية" تعبيراً صادقاً عن حجم الألم، لكنها لا ينبغي أن تكون قدراً محتوماً. فالمدن لا تموت إذا توفرت الإرادة والسياسات القادرة على إنقاذها، أما تجاهل هذا النزيف، فسيجعل إغلاق "النجمة" مجرد بداية لقائمة أطول من الخسائر، وسيكون ثمن التأخير أكبر بكثير من ثمن الإنقاذ اليوم.