مقالات

بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج

بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج

أثار المقال الذي نشره الكاتب عبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان يشير إلى أن استمرار السياسات الإيرانية قد يدفع بعض دول الخليج إلى مزيد من التعاون مع إسرائيل، نقاشًا سياسيًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليطرح سؤالًا استراتيجيًا يتعلق بمستقبل الأمن القومي العربي، وبطبيعة الخيارات التي تواجهها الدول العربية في ظل بيئة إقليمية تتسم بتعدد مصادر التهديد وتضارب المصالح الدولية والإقليمية.

ولا شك أن السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية، وما ارتبط بها من تدخلات في عدد من الساحات العربية، أثارت مخاوف حقيقية لدى العديد من الدول العربية، وأسهمت في تعميق الانقسامات الإقليمية وإضعاف النظام العربي الرسمي. غير أن معالجة هذه التحديات لا ينبغي أن تنطلق من منطق الاستعانة بقوة إقليمية أخرى تمتلك بدورها مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا توسعيًا، بل من خلال بناء منظومة عربية قادرة على حماية مصالحها وأمنها الجماعي.

إن مفهوم الأمن القومي العربي لا يقوم على استبدال تهديد بتهديد آخر، ولا على إدارة الأزمات عبر التحالف مع أطراف ترتبط معها المنطقة بصراعات تاريخية وقانونية وسياسية معقدة، وإنما يقوم على امتلاك الإرادة العربية المستقلة، وبناء عناصر القوة الذاتية، وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك.

لقد أثبتت التجارب أن التحالفات التي تُبنى على مواجهة خصم مرحلي قد تتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، لأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة، لا الالتزامات الدائمة. ومن هنا، فإن أي مقاربة للأمن الإقليمي ينبغي أن تنطلق من قراءة شاملة لموازين القوى، وأن تضع المصالح العربية العليا فوق الاعتبارات التكتيكية والظرفية.

وفي هذا الإطار، تظل القضية الفلسطينية حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي. فاستمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتقويض فرص الحل السياسي، وما رافق الحرب على غزة من كلفة إنسانية هائلة وانتقادات دولية واسعة، كلها عوامل تؤكد أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية يبقى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. كما أن استمرار الاحتلال ينعكس على الأمن الإقليمي ويغذي دوائر التوتر والصراع، الأمر الذي يجعل تحقيق السلام العادل ضرورة استراتيجية، وليس مجرد مطلب سياسي.

إن قراءة المشهد الإقليمي تكشف أن المنطقة تواجه مشروعين متنافسين على النفوذ؛ الأول تقوده إيران عبر توسيع حضورها الإقليمي، والثاني تمثله إسرائيل التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها الاستراتيجية وتوسيع دائرة اندماجها الإقليمي. وفي ظل هذا الواقع، فإن المصلحة العربية لا تكمن في الانحياز إلى أحد المشروعين، بل في بلورة مشروع عربي مستقل يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي ويعزز القدرة على حماية المصالح المشتركة.

ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق الدول العربية في الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة المستقبل، من خلال تعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير التعاون الدفاعي والأمني، وبناء منظومة ردع عربية، وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، والاستثمار في التنمية والبحث العلمي والتكنولوجيا باعتبارها ركائز أساسية للأمن القومي بمفهومه الشامل.

وفي الوقت ذاته، فإن المشروع الوطني الفلسطيني مطالب بإجراء مراجعة شاملة لأدواته السياسية والتنظيمية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية وتشاركية، وتكثيف الحراك السياسي والدبلوماسي مع العمق العربي والمجتمع الدولي، بما يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها المركزية ويحصّنها من محاولات التهميش أو التوظيف في صراعات المحاور.

إن المرحلة الراهنة تفرض رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الأفعال والانقسامات، فالتحديات التي تواجه الأمة العربية لا يمكن معالجتها بسياسات ظرفية أو بتحالفات آنية، وإنما من خلال مشروع عربي جامع يستند إلى استقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التضامن العربي، وصون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إن الأمن القومي العربي لن يتحقق بالارتهان لأي قوة خارجية، وإنما ببناء قوة عربية قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن سيادتها، وبإحياء مشروع عربي يستند إلى الإرادة السياسية والوحدة والتكامل. فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه التحالفات المؤقتة، وإنما تصنعه الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على بناء توازن إقليمي قائم على العدالة والاحترام المتبادل، بما يحقق الأمن والسلام لشعوب المنطقة ويصون مستقبلها.

يمكن أن تُختتم المقالة بخاتمة قوية تربط بين الفكرة التي طرحها الكاتب والمفكر بكر أبو بكر وبين الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي العربي، دون شخصنة أو انفعال:

وفي هذا السياق، فإن ما طرحه الكاتب والمفكر بكر أبو بكر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ردًا على مقال أو موقف سياسي عابر، وإنما كدعوة لإعادة التفكير في أولويات الأمن القومي العربي، وفي مخاطر الانجرار إلى خيارات قد تفرضها اللحظة السياسية لكنها لا تصمد أمام حسابات التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية. فالمنطقة لا تحتاج إلى استبدال خصومة بأخرى، ولا إلى الارتهان لمشاريع إقليمية متنافسة، بل إلى مشروع عربي جامع يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويعزز العمل العربي المشترك، ويضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي باعتبارها القضية المركزية للأمة، ومدخلًا لتحقيق أمن واستقرار إقليميين قائمين على العدالة والشرعية الدولية.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يُستورد، وأن التحالفات المرحلية لا تُغني عن بناء القوة الذاتية. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الإرادة العربية، ووحدة الموقف، واستقلال القرار، وبناء منظومة أمن قومي عربي قادرة على مواجهة مختلف التحديات، بعيدًا عن سياسات المحاور والاستقطاب. فالأمم التي تمتلك رؤيتها الاستراتيجية هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها، أما التي تجعل خياراتها رهينة لمعادلات الآخرين، فإنها تبقى أسيرة أزماتهم وصراعاتهم مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى