مقالات

هى رساله الى العابرين على هوامش التاريخ

هى رساله الى العابرين على هوامش التاريخ

بقلم: سعيد محمد الغفاري

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه منصات الضجيج، بات البعض يظن أن كثرة الكلام قادرة على صناعة الحقيقة، وأن حملات التشويه تستطيع أن تُسقط أصحاب المواقف أو تنال من قيمة الرجال. لكن التاريخ كان دائمًا أكثر حكمة من هذه الأوهام، فقد أثبت أن الجبال تبقى شامخة مهما ارتفع حولها الصخب، وأن نباح العابرين لا يترك أثرًا في الصخور الراسخة. إن أصحاب المبادئ لا تُقاس قيمتهم بعدد المصفقين لهم، ولا تنخفض مكانتهم بسبب حملات التحريض ضدهم. فالشجرة المثمرة هي التي تُرمى بالحجارة، والقمم العالية هي التي تستهدفها العيون. أما الذين يعيشون في هامش الأحداث، فلا يجدون لأنفسهم مكانًا إلا بمحاولة النيل من أصحاب الحضور والتأثير. كم من شخصيات تعرضت للتشويه والافتراء، ثم أثبتت الأيام صدقها، وكم من حملات إعلامية صاخبة ملأت الدنيا ضجيجًا، ثم انتهت إلى لا شيء، بينما بقي أصحابها مجرد ذكرى باهتة في صفحات النسيان. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت وجودها، كما أن الشمس لا تتوقف عن الإشراق لأن أحدهم قرر أن يغمض عينيه. إن المشكلة الحقيقية ليست في الأصوات التي تنبح من بعيد، بل في أولئك الذين يعتقدون أن الضجيج يمكن أن يحل محل الإنجاز، وأن الشتائم يمكن أن تكون بديلًا عن الرؤية، وأن الهجوم على الآخرين يغني عن بناء الذات. هؤلاء يستهلكون أعمارهم في مطاردة الناجحين، بينما يمضي أصحاب العمل نحو أهدافهم دون التفات. فالجبال لا تدخل في معارك مع الرياح، ولا تنشغل بالرد على كل صوت عابر. هي تعرف قيمتها ومكانتها، وتدرك أن الزمن كفيل بكشف الحقائق ووضع كل شيء في موضعه الصحيح. وكذلك الرجال أصحاب المواقف؛ لا يبددون طاقتهم في ملاحقة كل شائعة أو الرد على كل افتراء، لأنهم يعلمون أن الإنجاز هو الرد الأقوى، وأن الثبات هو الانتصار الحقيقي. لقد علمتنا الحياة أن الضجيج مؤقت، أما الأثر فباقٍ. وأن الذين يصنعون الأحداث يختلفون عن الذين يكتفون بالتعليق عليها. وأن أصحاب الرسالات الكبرى لا يقفون عند كل حجر يُلقى في طريقهم، بل يحولون العوائق إلى درجات يرتقون بها نحو أهدافهم. لذلك ستبقى الجبال شامخة، وستظل القمم عالية، مهما علا نباح العابرين. فالصوت قد يرتفع لحظة، أما القيمة فتبقى، والافتراء قد ينتشر أيامًا، أما الحقيقة فتبقى خالدة. وبين ضجيج العابرين وصمت الجبال، ينتصر دائمًا الثبات.