بين دماء الأطفال وبذور الغد: قراءة في جدل الخطاب الديموغرافي الفلسطيني
"ليس في وسع الموت أن يمحو من كانوا،وليس في وسع القتل أن يوقف من سيكونون.وبين الراحلين والقادمين،يقف الفلسطيني وحيدا،لكنه يقف كجبل لا يلين."
في خضمّ المعارك التي لا تهدأ على أرض فلسطين، تنشب أحيانا معارك موازية على جبهة الكلمة والمعنى.
كان حديث الدكتور مصطفى البرغوثي عن عدد المواليد في غزة واحدا من تلك اللحظات التي التفت فيها الأنظار ليس إلى القصف والدمار،بل إلى تفسير الأرقام في زمن الموت.وأثار كلامه جدلا واسعا،لكن الجدل الحقيقي ليس حول الرقم ذاته،بل حول قراءته في سياق مشحون بكل معاني الفقد والألم والوجود.
لا يوجد رقم في هذه الدنيا يمكنه أن يعوّض طفلا ارتقى شهيدا.لا إحصاءات،ولا نسب مئوية،ولا معدلات نمو سكاني تستطيع أن تخفف من لذعة حلق أم تمسح بيدها تراب وجه ابنها للمرة الأخيرة.أطفال فلسطين ليسوا نقاطا بيانية على خريطة سكانية،بل هم ضحكات كانت ستعلو في أزقة غزة،وأحلام كانت ستكبر مع الأيام،وأسماء كان من المفترض أن تُنادى في ساحات المدارس، لا أن تُكتب على شواهد القبور.
هذه حقيقة أخلاقية لا نقاش فيها،وهي أول ما يجب أن ينطلق منه أي حديث عن الأطفال في غزة.فالجريمة المرتكبة بحقهم جريمة مكتملة الأركان،يستوي في بشاعتها أن يُقتل طفل واحد أو ألف،لأن الروح الإنسانية لا تُقسّم،والقيمة لا تُجزّأ.
لكن قراءة حديث البرغوثي في سياقه الصحيح تكشف عن بُعد آخر،أكثر تعقيدا وأقل إنصاتا للعواطف،وإن لم يكن مناقضا لها.فالحديث عن ارتفاع معدلات الولادة في غزة،في هذا التوقيت تحديدا،لم يأت لتبرير الجريمة أو التقليل من حجمها،بل جاء كردّ على مشروع سياسي يسعى، وفق تحليلات كثيرة،إلى كسر المجتمع الفلسطيني من جذوره،واستهداف مستقبله عبر استهداف أطفاله.
إنها ليست مقارنة بين الحياة والموت،بل هي وقفة في وجه من يراهن على الفناء.والرسالة هنا هي أن هذا الشعب باق،وأن محاولات اقتلاع وجوده من أرضه وتاريخه وضميره الجمعي ستبوء بالفشل.وليست الأرقام هنا تسويغا للألم،بل هي إعلان تحدٍ،وكأن الفلسطيني يقول للعالم: "ترون أطفالنا يُقتلون،لكننا لا نزال ننجب،لا كي نُبقي على صورة،بل لأن الحياة فينا أقوى من الموت الذي تزرعونه"
هذا الخطاب ليس وليد اللحظة،بل هو امتداد لفكرة فلسطينية رسّخها الراحل ياسر عرفات، حين كان يردد أن الفلسطينيين يخوضون معركة ديموغرافية إلى جانب معركتهم الوطنية.ولم يكن عرفات يقلل من قيمة الشهداء حين يتحدث عن المواليد،بل كان يعيد تعريف معنى الصمود: أن تبقى،وأن تتكاثر،وأن تُثبت أن الهوية ليست مجرد راية ترفع،بل هي نطفة تستمر،وجيل يخلف جيلا.
لقد لاقت هذه الفكرة قبولا واسعا لعقود،وفهمها الفلسطينيون في سياقها النضالي،لا في سياق حسابي بارد.فالثقافة السياسية الفلسطينية كانت دائما تعرف كيف تجمع بين البكاء على الشهداء والاعتزاز بالباقين،وبين الحداد على الماضي والإصرار على المستقبل.
ثمة خلل خطير في قراءة حديث البرغوثي بمعزل عن سياقه السياسي والاستراتيجي.فمن يختزل كلماته في معادلة حسابية بين أعداد القتلى وأعداد المواليد،إنما يسقط في فخ التبسيط، ويتجاهل أن الرجل يتحدث عن مشروع وجودي، لا عن سوق للموت.واستشهاد آلاف الأطفال يبقى جرحا غائرا في وجدان الأمة،لا يبرره شيء،ولا يغطيه أي حديث عن النمو السكاني.
لكن في الوقت ذاته،التأكيد على أن الأجيال الفلسطينية مستمرة هو رسالة تحد لمن راهن على الإفناء،وهو اعتراف بأن الدم الذي يُراق ليس نهاية الطريق.
إن الجمع بين الرسالتين-الوفاء لدماء الأطفال والتأكيد على بقاء الشعب-هو الموقف الأكثر اتزانا، وهو الموقف الأكثر إنسانية أيضا.لأنه لا يلغي الألم ولا يتجاهل الجريمة،بل يضعها في سياق أوسع: أن فلسطينيا يموت،وفلسطينيا يولد،وأن الروح الوطنية ليست مجرد شعارات،بل هي نبض حياة يتحدى آلة الموت.
واللافت أن الحديث الذي أثار كل هذا الجدل لم يواجه بالمناقشة الموضوعية بقدر ما واجه بحملة ممنهجة للإسقاط..حملة استهدفت مصطفى البرغوثي شخصيا،وكأنها تبحث عن ذريعة للنيل منه،لا عن حقيقة في كلامه.!
ومن المثير للانتباه أن خطابا مشابها كان يطلقه ياسر عرفات لعقود،ولم تُشن ضده حملات بهذه الحدة،مما يكشف أن القضية ليست جوهر الفكرة، بل هوية من يقولها.
فالبرغوثي،بصفته شخصية وطنية مستقلة،يثير القلق لدى بعض الأطراف التي ترتاح للفوضى وتستفيد من المصائب.وتخشى هذه الأطراف أن تزداد شعبيته،وأن يشكّل امتداد تأثيره خطرا على مصالحها الضيقة،التي لا تريد لصوت وطني صادق أن يعلو فوق أصوات المصالح الفئوية.
إنها معركة داخلية موازية،تفضح أن الخوف ليس من كلمة قالها،بل من شخصية يمكن أن تكون لها كلمة مسموعة في مستقبل الفلسطينيين.
في النهاية،يبقى السؤال الأعمق: كيف يمكن لفلسطيني أن يوفق بين البكاء على أطفاله والإصرار على إنجاب غيرهم؟! كيف يمكن لأم أن تدفن ابنها في الصباح،وتحتضن مولودا جديدا في المساء؟!
الإجابة ليست في المنطق،بل في ما وراء المنطق. إنها في تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها الفلسطيني على تحويل الجراح إلى وقود،وعلى جعل الموت حافزا للحياة.وحين يرى العالم صور الأطفال الشهداء،يقرأها كدليل على الفاجعة.أما الفلسطيني فيقرأها أيضا كدليل على أن ثمّة من يريدون له ألا يكون له أطفال،ولذلك يصرّ على أن ينجب.
إن الأطفال الذين يرتقون ليسوا مجرد أرقام في عداد الشهداء،بل هم شهود على جريمة لا تُغتفر. والأطفال الذين يُولدون ليسوا مجرد أعداد في إحصاءات الولادة،بل هم شهود على أن الحياة أقوى.وبين هذين المعنيين يمشي الفلسطيني على حبل رفيع،لا يريد أن ينسى القتلى ولا يريد أن يتوقف عن صنع الأحياء.
وربما كانت أعظم رسالة يوجهها هذا الشعب للعالم هي أنه،رغم كل القسوة،ما زال يضحك،وما زال يحلم،وما زال ينجب.ليس لأنه نسي،بل لأنه اختار أن تكون بذوره أكثر من رماده،وأن تكون حياته أقوى من موت أعدائه.وإن الذين حملوا على البرغوثي اليوم،هم الذين يخشون هذه الرسالة أكثر مما يخشون القصف والصواريخ،لأنهم يدركون أن الشعب الذي ينجب بعد أن يُقتل أبناؤه،هو شعب لا يمكن هزيمته أبدا.
في النهاية،يبقى الفلسطيني كالنخلة: كلما ازدادت الجراح في جذعها،ازدادت ثمارها صلابةً وحلاوة. وبين دماء الأطفال وبذور الغد،يمضي هذا الشعب، يعلم أن الحياة ليست نقيض الموت،بل هي امتداده حين تكون القضية أكبر من الأفراد، والأمل أقوى من اليأس،والغد أجمل مما نتصور.