مقالات

ليس خبرًا عابرًا… بل اختبارٌ لضمير أمة

ليس خبرًا عابرًا… بل اختبارٌ لضمير أمة

في كل مرة يُظن فيها أن المشهد الفلسطيني بلغ ذروة الألم، يأتي واقع جديد ليؤكد أن المعاناة ما زالت قادرة على التمدد، وأن الجرح لم يُمنح بعد فرصة للالتئام. ما يجري اليوم ليس خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل هو اختبار حقيقي لضمير أمة، ولقدرة العالم على التمييز بين الحق والظلم.

عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين يقبعون خلف القضبان، في ظروف تتجاوز حدود القسوة إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث يتحول الاعتقال من إجراء قانوني إلى أداة عقاب جماعي، ومن وسيلة ضبط إلى سياسة كسر إرادة. هؤلاء الأسرى ليسوا أرقامًا في تقارير، بل هم حكايات إنسانية حيّة، لكل واحدٍ منهم أمّ تنتظر، وأسرة تتشبث بالأمل، وحلم مؤجل بالحرية.

في قلب هذه المأساة، تقف الأم الفلسطينية بوصفها أيقونة للصبر المركّب؛ صبرٌ لا يخلو من وجع، وصمودٌ لا ينفصل عن دمعة. تخفي ألمها لتمنح أبناءها القوة، وتؤجل حزنها لتُبقي جذوة الأمل مشتعلة. ليست مجرد شاهدة على المعاناة، بل شريك أصيل في معادلة الصمود، تُقاتل بطريقتها الخاصة: بالدعاء، وبالإيمان، وبالثبات.

أما القدس، فهي ليست مجرد مدينة في قلب الصراع، بل رمزٌ يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى. مدينةٌ تحمل في أزقتها ذاكرة شعب، وفي سمائها صلوات الغائبين قسرًا. حين يُحرم أبناؤها من الوصول إليها، لا يكون الغياب مكانيًا فقط، بل غيابًا قسريًا عن جزء من الهوية والانتماء. القدس في هذا السياق تبدو كأمٍّ مفجوعة، تفتقد أبناءها، وتنتظر عودتهم، مهما طال الغياب.

المشكلة لا تكمن فقط في استمرار المعاناة، بل في اعتياد العالم عليها. حين يتحول الألم إلى مشهد متكرر، يفقد الكثيرون حساسيتهم تجاهه، وتصبح المأساة “خبرًا عاديًا” في دورة الأخبار اليومية. هنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يُطبع الظلم، وأن يُختزل الوجع في أرقام، وأن تُمحى القصص الإنسانية خلف لغة باردة.

غير أن التجربة الفلسطينية، عبر عقود طويلة، أثبتت أن الألم لا يعني الانكسار، وأن القيد لا يلغي الإرادة. بل على العكس، كثيرًا ما يتحول القهر إلى طاقة مقاومة، ويصبح الصبر فعلًا يوميًا يعيد إنتاج الأمل رغم كل الظروف. هذه القدرة على الاستمرار، رغم كل شيء، هي ما يجعل القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي، مهما حاول البعض تهميشها أو تجاوزها.

إن ما يحدث اليوم يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية واضحة: هل نقف موقف المتفرج، أم نعيد الاعتبار للقيم التي يُفترض أنها تحكم هذا العالم؟ إن الصمت، في مثل هذه اللحظات، ليس حيادًا، بل انحيازٌ غير معلن.

ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل حاضرًا، لا بوصفه شعورًا عاطفيًا فقط، بل كقناعة راسخة بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت. فكما علّمتنا تجارب الشعوب، يولد الفجر غالبًا من قلب العتمة، وتُكتب نهايات الظلم حين يظن أنه بلغ مداه.

في النهاية، قد لا يكون بيد الجميع تغيير الواقع فورًا، لكن أقل ما يمكن فعله هو ألا نسمح بتحويل هذه المأساة إلى خبر عابر. فالقضية، في جوهرها، ليست مجرد صراع سياسي، بل حكاية إنسان يبحث عن حريته… وعن حقه في أن يعيش بكرامة.