تحقيق: "جسور نيوز" شبكة إخبارية واجهة للاستخبارات الإسرائيلية
تل أبيب: يكشف هذا التحقيق الذي أنجزه الصحافيان يوسي بارتال (Yossi Bartal) وأمين المغربي (Amin Al Magrebi) وينشره موقع "عرب 48" بالتعاون مع مجلة "972+" الإلكترونية، إحدى عمليات التأثير والتمويه الإعلامي الإسرائيلي المُنفذة في السنوات الأخيرة: منصة "جسور" التي قدّمت نفسها للجمهور العربي بوصفها صوتًا مستقلًا "يعكس نبض الشارع"، فيما كانت في الواقع أداةً ضمن مشروعٍ استخباراتي دعائيّ طويل الأمد، يُموَّل ويُدار من مركز اتصالات السلام (Center for Peace Communications) بالتنسيق مع مؤسسات الاستخبارات الإسرائيلية.
تسبب الهجوم الإسرائيلي على قطاعِ غزّة، بحلول أيار/ مايو 2024، في أزمة جوع حادة؛ إذ أغلق الجيش الإسرائيلي في جنوب القطاع طرق وصول المساعدات الحيوية. وكان 30% من الرضع في الشمال يعانون من سوء التغذية الحاد، وهي نسبة تضاعفت في غضون أسابيع.
ومع نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين بالفعل، أفاد برنامج الأغذية العالمي (World Food Programme) التابع للأمم المتحدة بأن إمدادات قطاع غزّة من الغذاء والوقود ستنفدان في غضون أيام. وحذر البرنامج قائلًا: "لم يسبق أن كان خطر المجاعة في قطاع غزّة بهذا القدر من الخطورة".
تواصل محرر كبير في موقع "جسور نيوز" الناطق باللغة العربية في الشهر نفسه مع ناشط مناهض لحماس من قطاع غزّة، طالبًا منه لقطات فيديو لمشاهد محددة من الشوارع. طلبت الجهة الإعلامية لقطات من "أسواق غزة" تُظهر "الفواكه والخضراوات وغيرها من الأطعمة"، بالإضافة إلى "أشخاص يتسوقون لشراء الطعام (بما في ذلك أمهات مع أطفال رضّع يتسوقن الحليب الصناعي أو أغذية الأطفال الأخرى)". كما طلب المُحرر مقاطع فيديو لأشخاص "يطبخون" و"يأكلون" و"يملؤون دلاء الماء" و"أطفال يلعبون بالماء"، وفقًا لرسائل اطلعت عليها مجلة "+972".
وبرغم من تزايد القلق الدولي إزاء الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزّة، بدا أن منصة "جسور" تسعى إلى الحصول على لقطات تُظهر عكس ذلك تمامًا، والتي يمكن استخدامها لاحقًا لدحض مزاعم المجاعة الوشيكة (لم يُزوّد المصدر "جسور" بالمواد المطلوبة، ولم يتمكن موقع "+972" من العثور على أي لقطات من هذا القبيل من تلك الفترة على حسابات المنصة).

تُعرّف "جسور" نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها "منصة إعلامية مستقلة" و"غير تابعة لأي جهة سياسية"، وبأنها تسعى إلى نشر قصص "تعبِّر عن نبض جميع المجتمعات والشعوب" في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويتألف إنتاجها الرئيس من مقاطع فيديو قصيرة تُنشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نما جمهورها بسرعة كبيرة، فعلى "فيسبوك" وحده تجاوز عدد متابعيها مؤخرًا مليون متابع.
لكنّ منصة "جسور" ليست كما تبدو؛ فقد كشفت تسريبات حديثة من مركز أبحاث أمنية إسرائيلي عن وجود صلة بين الموقع وأجهزة استخبارات إسرائيلية. كما يُشير تحليل لبنية المنصة والشخصية التي تقف وراءها إلى دور "جسور" ضمن عملية سرية واسعة النطاق وطويلة الأمد، تهدف إلى توجيه الرأي العام في العالم العربي لصالح إسرائيل وحلفائها.
صوتٌ لِمن؟
انطلقت منصة "جسور" في آذار/ مارس 2024، لتغطي أخبار العالم العربي، متناولةً السياسة والقضايا الاجتماعية والثقافة والرياضة. وشملت تغطيتها الأولى مواضيع متنوعة، من دورات الدفاع عن النفس للنساء في مصر، إلى تجنيد الحوثيين للأطفال في اليمن، وصولًا إلى معاناة اللاجئين السوريين في لبنان. وفي غضون عامين فقط، نشرت المنصة ما يقارب 6000 مقطع فيديو على "يوتيوب"، محققةً أكثر من 80 مليون مشاهدة و150 ألف مشترك في المنصة.
في مقابلة حديثة مع صحيفة "هآرتس"، عزت رئيسة تحرير منصة "جسور"، هديل عويس، نجاحها إلى تركيزها على إبراز "صوت الجمهور"، موضحة: "يحظى مقطع فيديو لامرأة شابة تتحدث في أحد شوارع العرب أحيانًا بمشاهدات واهتمام أكبر من برنامج سياسي يُنتج في أحدث استوديوهات التلفزيون". وبالفعل، فإن العديد من مقاطع الفيديو التي تبثها "جسور" تحقق هذا الانتشار، إذ تعرض آراء أناس عاديين في المدن العربية، يعبّر الكثير منهم عن دعمهم للمفاوضات مع إسرائيل أو استيائهم من جهات معادية لها، مثل حماس وحزب الله.
كان أحد أهم أسباب انتشار منصة "جسور" الإعلامية في بداياتها هو تغطيتها للأحداث في سورية خلال وبعد سقوط نظام بشار الأسد؛ وتمكنت المنصة من إجراء مقابلات ليس فقط مع شخصيات سورية بارزة، بل أيضًا مع وزراء ومحافظين وشخصيات سياسية قيادية أخرى، بالإضافة إلى معتقلين أُفرج عنهم من سجون الأسد سيئة الذّكر. وقد غطت المنصة أحداثًا من مختلف أنحاء البلاد، سواءٌ كانت تحت سيطرة السلطة الناشئة في دمشق، أو تحت سيطرة الميليشيات الكردية أو الدرزية في جنوب البلاد وشرقها (ويبدو أن المنصة مرتبطة بالعديد من المنظمات غير الحكومية الأخرى في سورية، بما في ذلك موقع إخباري آخر يحمل الاسم نفسه).
غير أنَّ جزءًا كبيرًا من صعود منصة "جسور" وانتشارها تحقق قرب نهاية عام 2025، عندما بدأت في تقديم تقارير منتظمة من داخل أجزاء من قطاع غزّة طهّرها الجيش الإسرائيلي من سكانها الفلسطينيين، باستثناء الجماعات المسلحة المناهضة لحماس التي تسلحها وتدعمها قوات الجيش الإسرائيلي.
ومن المثير للدهشة أن يُسمح لشبكة عربية بالعمل بحرية في منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي الكاملة، ومحظورة على وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية، بل وحتى معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية. ومع ذلك، فقد بثّت هذه الشبكة بانتظام، على مدار العام الماضي، لقطات حصرية من المنطقة التي باتت تُعرف باسم رفح الشرقية، معقل القوات الشعبية (المعروفة باسم جماعة أبو شباب، نسبةً إلى زعيمها [ياسر أبو شباب] الذي قُتل العام الماضي). ويُظهر الفيديو الأكثر مشاهدة على قناة "جسور" على "يوتيوب" جولةً قام بها زعيم الجماعة الحالي، غسان الدهيني، في المنطقة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
كما نشرت "جسور" تقريرًا مصورًا العام الماضي عقدت فيه مقارنة مباشرة بين ممارسات الاعتقال والتعذيب في سجون حماس في قطاع غزّة وسجون نظام الأسد في سورية. وتضمن التقرير شهادات لثلاثة ناشطين مناهضين لحماس تحت عنوان "لا يختلف عن سجن صيدنايا"، في إشارة إلى سجن الأسد الذي وصفته منظمة العفو الدولية ذات مرة بأنه "مسلخ بشري".
لم يسبق لهذه الوسيلة الإعلامية أن نشرت تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة واسعة النطاق التي يتعرض لها الفلسطينيون والسوريون على حد سواء في السجون الإسرائيلية، ومراكز الاعتقال العسكرية، وهذا أيضًا ليس من قبيل الصدفة.
الشراكات الحقيقية وراء الكواليس
سرَّب، على مدى العامين الماضيين، قراصنة يُفترض ارتباطهم بالمخابرات الإيرانية ملايين الملفات والمراسلات علنًا من صناديق البريد الإلكتروني للسياسيين الإسرائيليين، والوزارات والمؤسسات والمنظمات البارزة الأخرى. إحدى عمليات الاختراق الأخيرة هذه، والتي أصبحت متاحة للصحافيين عبر المجموعة غير الربحية المُخصصة الباحثين والصحفيين "Distributed Denial of Secrets"، استهدفت مركز الأبحاث الأمنية الأبرز في إسرائيل، وهو معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الذي يتعاون عن قرب مع مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي والذي يضم الموساد، والشين بيت (الشاباك)، ومديرية الاستخبارات العسكرية، وغالبًا ما يأتيه الباحثون مباشرة من صفوف المؤسسات أعلاه.
يدير المعهد برنامجًا بحثيًا حول ما يسميه "المحور الشيعي"، الذي يضم إيران وحلفاءها، بمن فيهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، ونظام الأسد في سورية قبل انهياره. ومن بين آلاف الملفات والرسائل المسربة من هذا البرنامج، ظهرت أدلة تشير إلى الجهة التي تقف وراء "جسور" ومهمتها الحقيقية.
دُعي أعضاء فريق البرنامج في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 عبر بريد إلكتروني إلى اجتماع عبر تطبيق "زووم" مع جوزيف براود (Joseph Braude). عرّف البريد الإلكتروني براود بأنه مؤسس مركز اتصالات السلام (Center for Peace Communications)، الذي يهدف عمله، كما جاء فيه، إلى "مكافحة الخطابات المتطرفة في الشرق الأوسط".
ولتحقيق ذلك، كما جاء في البريد الإلكتروني، يستخدم مركز اتصالات السلام منصات إعلامية لتحدي هذه الروايات، وتشغيل محطات بث في مناطق حساسة مثل سورية، بهدف التأثير في السكان المحليين، مضيفًا أن براود: "يسعى إلى إقامة شراكات مع جهات أمنية وسياسية في إسرائيل لدعم أنشطة مركز اتصالات السلام". وتزعم رسالة مسربة أخرى أن المركز يهدف إلى: "إدارة حملات توعية إبداعية ضد أعداء إسرائيل، مع التركيز مؤخرًا على حماس وحزب الله".
وبرغم عدم ظهور أي بروتوكول من الاجتماع في التسريب، إلا أن

وثيقة أُخرى تفصّل أنشطة البرنامج تصف النتيجة على النحو التالي: "جرى ربط جوزيف براود بالمصادر ذات الصلة في المؤسسة الاستخباراتية"، من أجل دعم عمل المركز "لتعزيز الفكر المؤيد للغرب والمؤيد لإسرائيل في دول المحور [الشيعية]". لم تُحدد أسماء المنصات التي يستخدمها المركز للترويج لـ"الفكر المؤيد لإسرائيل". ومع ذلك، تشير وثيقة مسربة أخرى من اختراق جهاز معهد دراسات الأمن القومي إلى أن منصة "جسور" هي الأداة الرئيسة لهذا المشروع.
اجتماع سري
عُقد اجتماع سري في قبرص في أيلول/ سبتمبر 2025 ضمّ زميلًا باحثًا من معهد دراسات الأمن القومي، وعددًا من الصحافيين والباحثين والشخصيات المؤثرة من إسرائيل والأردن، كما حضر الاجتماع نائب السفير الإسرائيلي لدى الأردن. وبحسب ملخص مسرب لاجتماع أعده أحد أعضاء معهد دراسات الأمن القومي، انصب التركيز على "الإجراءات اللازمة في وسائل الإعلام لتحسين العلاقات بين إسرائيل والأردن". ويضيف الملخص أن ورشة العمل "نظمها مركز اتصالات السلام ومنصة ’جسور’، بقيادة جوزيف براود وفريقه".
ويشير الملخص إلى أن غالبية المشاركين الأردنيين "يشاركون، علنًا أو سرًا، في أنشطة ’جسور’". وأضاف أن المجموعة وافقت على تشكيل فرق للمشاريع المستقبلية، وتحديدًا لدعم "مقاطع الفيديو التي ستنتجها لجنة الإعلام والصحافة وتعرض على منصة ’جسور’"، والتي من شأنها "دحض نظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل"، أو استضافة متحدثين إسرائيليين "يعربون عن تقديرهم للعائلة المالكة الأردنية".
بدأت "جسور"، في ذلك الوقت تقريبًا، بنشر مقاطع فيديو تُظهر ميليشيات موالية لإسرائيل داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة. وبعد ذلك بوقت قصير، نشر الصحافيون الإسرائيليون الذين شاركوا في اجتماع قبرص تقارير على قنواتهم الإخبارية يشيدون فيها بعمل "جسور"، ويدافعون عنها ضد الهجمات.
أجرى مراسل الشؤون العربية في موقع "يديعوت أحرونوت" في كانون الأول/ ديسمبر 2025، ليئور بن آري، مقابلة مع رئيسة تحرير "جسور"، هديل عويس، ضمن تقرير حول تهديدات حماس لصحافيي "جسور" في قطاع غزّة. وأوضحت عويس: "في كل مرة يرون فيها صحافيًا يُجري مقابلة مع ’جسور’ ضد حماس، يلاحقونه ويرسلون كتائب القسام للاستفسار عن هوية من أجرى المقابلة معه. بعض مراسلينا يختبئون ويتنقلون من خيمة إلى أخرى".
وبعد أن حظرت الحكومة السورية مؤقتًا منصة "جسور" في آذار/ مارس من هذا العام (على أساس أنها كانت تعمل دون الترخيص اللازم)، قدم مراسل العالم العربي في هيئة البث الإسرائيلية العامة "كان"، روعي كايس، فقرة دافع فيها عن المنصة، واصفًا إياها بأنها "منصة إعلامية موجودة أساسًا في واشنطن، لكن هدفها هو محاربة جميع مظاهر التطرف في المنطقة، مثل المحور الموالي لإيران، ومحور الإخوان المسلمين... كما يحاول أيضًا الترويج للميليشيات التي تواجه حماس". لم يستجب كل من معهد دراسات الأمن القومي (INSS) أو بن آري أو كايس لطلبات "+972" للتعليق.
اليد غير الخفية
بحسب وثائق الضرائب الأميركية، فإنّ مركز اتصالات السلام منظمة صغيرة نسبيًا مقرها في لونغ آيلاند بنيويورك، بميزانية سنوية رسمية تبلغ حوالي 1.5 مليون دولار، جميع المتبرعين المعلنين لها يدعمون مبادرات يهودية ومؤيدة لإسرائيل. أُسس هذا المركز عام 2019، ويقوده براود، وهو باحث وكاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط من أصل عراقي يهودي، ويصف نفسه بأنه "عمل في مجال تعزيز العلاقات [بين إسرائيل والعالم العربي] مدة 30 عامًا". كان براود يخطط للعمل في البنتاغون قبل إدانته عام 2004 بتهمة سرقة آثار عراقية، وعمل لاحقًا في مراكز أبحاث مثل معهد أبحاث السياسة الخارجية Foreign Policy Research) Institute) المحافظ الجديد، ومركز المسبار للدراسات والبحوث الإماراتي، وتعاون عن قرب مع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (WINEP) التابع للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك/ AIPAC).
نشر براود في عام 2019 كتابًا مع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، بعنوان: "الاستعادة: سياسة ثقافية لشراكة عربية إسرائيلية" (Reclamation: A Cultural Policy for Arab-Israeli Partnership)، والذي يوصف على غلافه الخلفي بأنه "الخطوة الأولى في إنشاء مركز اتصالات السلام"، ويقترح فيه "حملة مستدامة لاستعادة الفضاء الثقافي للمنطقة لأنصار الشراكة العربية الإسرائيلية" من خلال "مجموعات عمل".
يُقدّم الكتاب، على مدى 160 صفحة، خطةً لحملة دعائية واسعة النطاق، مستوحاة من وكالة الإعلام الأميركية (United States Information Agency) التي أُغلقت في وقت سابق، تُنفّذ بالتعاون مع الأنظمة الاستبدادية وأجهزتها الأمنية. ويقترح براود أن بإمكان الحكومتين الأميركية والإسرائيلية اتباع هذه الإستراتيجية منهجيًا، مع "تقديم الدعم والتواصل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية العاملة في هذا المجال بالفعل".
بدأ مركز اتصالات السلام في عام 2023 التعاون مع منصة "الصحافة الحُرة" (The Free Press) الإعلامية الأميركية اليمينية، المؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومنذ ذلك الحين، شارك المركز في إنتاج عشرات المقالات للصحيفة حول قطاع غزّة وسورية ولبنان، بما في ذلك فيديو تعريفي متعاطف إلى حد كبير مع ياسر أبو شباب، القائد السابق للقوات الشعبية الموالية لإسرائيل في [جنوب] قطاع غزّة، قبل ما يزيد قليلًا عن عام.
يشرح براود نفسه في ذلك الفيديو، إذ يشغل دورًا ما بين الخبير والمتحدث باسم أبو شباب، كيف أن "وجود ميليشيا معادية لحماس عداءً صريحًا داخل قطاع غزّة يمثل تهديدًا مباشرًا لادعاء حماس بأنها الهيئة الحاكمة الوحيدة في القطاع"، ويقدم المجموعة على أنها "تجربة سياسية جادة في الحكم الذاتي لقطاع غزّة ما بعد حماس". حتى أن مركز اتصالات السلام حاول، وإن لم ينجح، العام الماضي إقامة اتصال بين أبو شباب وبرلمانيين ألمان، مما يؤكد دور براود بوصفه مسؤول علاقات عامة غير رسمي للميليشيا. وبينما يعمل براود ومركز اتصالات السلام على تعزيز مكانة ميليشيات غزة المؤيدة لإسرائيل والمعادية لحماس في الغرب، تقوم "جسور" بحملة علاقات عامة مماثلة في العالم العربي.
نشرت المنصة في الأشهر الأخيرة مقابلات حصرية ولقطات فيديو لقادة ميليشيات آخرين في قطاع غزّة، تتلقى عصاباتهم مساعدات ودعمًا عسكريًا من إسرائيل، بمن فيهم شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل (وقد وصفت "جسور" في بعض الأحيان الأخير بأنه "منسق منطقة إنسانية" أو "منسق منطقة آمنة"، معتمدة بذلك المصطلحات الإسرائيلية للمناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات).
وبرغم أن معظم ما ينشره براود ومركز اتصالات السلام على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن لقطات جمعتها "جسور"، إلا أن عمق العلاقة بينهما واضح للعيان. تُظهر سجلات الشفافية على صفحة "جسور" على "فيسبوك" أن الحساب أُنشئ في الأصل عام 2019 تحت اسم المجلس العربي للتكامل الإقليمي (Arab Council for Regional Integration)، والذي كان أول مبادرة كبرى لمركز اتصالات السلام. (لم يُغير الحساب اسمه إلى "جسور نيوز" إلا في آذار/ مارس 2024).
لم يعد المجلس العربي نشطًا، بل أصبح منسيًا إلى حد كبير، وكان يتألف من 35 شخصية عامة، وقد انتقد جهود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) فيما ساهم في وضع الأسس للاتفاقيات الإبراهيمية. وبرغم صغر حجمه، فقد كان يتمتع بنفوذ في الأوساط السياسية المؤثرة: ففي أواخر عام 2019، أشاد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، علنًا بالمجلس لترويجه "رؤية إقليمية للسلام والتعايش"؛ وفي رسالة مصورة نُشرت في آب/ أغسطس التالي (2020) على قناة المجلس على "يوتيوب"، هنّأ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، المجلس على اجتماعه الافتتاحي.
تعمل رئيسة تحرير منصة "جسور"، هديل عويس، مباشرة لدى مركز اتصالات السلام، الذي يصفها على موقعه الإلكتروني بأنها "تقود الاتصالات العربية نيابة عن المركز". وهي في الأصل من سورية وتقيم الآن في الولايات المتحدة، وقد برزت في المجال العام تحت اسم هديل كوكي مع بداية الانتفاضة السورية عام 2011، حينها كانت طالبة تبلغ من العمر 19 عامًا، وظهرت في وسائل الإعلام العربية والدولية منتقدة نظام الأسد.
في عام 2012، وبينما كانت لا تزال تستخدم اسم كوكي، دعتها منظمة "يو إن ووتش" (UN Watch) المؤيدة لإسرائيل، ومقرها جنيف، إلى مؤتمر شاركت في تنظيمه، بالإضافة إلى اجتماع لمجلس حقوق الإنسان (Human Rights Council). ومن هناك، وفقًا لسيرة عويس المنشورة على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، التقت بوفد أميركي ساعدها في الانتقال إلى الولايات المتحدة.
من أحدث مشاريع عويس برنامج أسبوعي على منصة "الجنوب اليوم"، الإعلامية التي أُطلقت حديثًا. تُعنى هذه المنصة الإلكترونية بتغطية جنوبي اليمن، وهي منطقة ذات أهمية إستراتيجية برزت فيها مؤخرًا حركات انفصالية مدعومة من الإمارات العربية المتحدة، وأبدت استعدادها للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. تضمنت الحلقة الأولى من برنامج "النافذة الأميركية"، الذي تقدمه عويس، مقابلة مع مدير سابق في وزارة الدفاع الأميركية حول "وكلاء إيران". (لم يُجب براود وعويس على الاستفسارات المتعلقة بما إذا كانت هذه المنصة اليمنية الجديدة مرتبطة بمنصة "جسور" ومركز اتصالات السلام).
المعارضة من نوع واحد فقط
تعتمد تقارير "جسور" الميدانية في المنطقة على السكان المحليين الذين يُجرون المقابلات، ويُسجلون مقاطع الفيديو. غير أن أفرادًا تعاونوا مع المنصة في كل من سُورية وقطاع غزّة أفادوا لموقع "+972" بأنهم لم يكونوا على علمٍ بعلاقات "جسور" مع مركز اتصالات السلام، أو بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، أو المخابرات الإسرائيلية، وأنهم كانوا يعملون انطلاقًا من اعتقادهم بأنهم يُساهمون في وسيلة إعلامية مستقلة تُشاركهم قيم السلام والديمقراطية.
وأفادت مصادر في سورية لموقع "+972" بأن الرواتب الشهرية التي تبلغ 600 دولار أميركي، بالإضافة إلى أجور العمل الحر التي تصل إلى 100 دولار أميركي لكل تقرير، هي السائدة بين المتعاونين مع "جسور". أما في قطاع غزّة، فتتراوح الأجور بين 200 و400 دولار أميركي لكل تقرير مصور.
وقال أحد العاملين في موقع "جسور" بسورية لموقع "+972" إن الموقع: "نشر محتوىً يُهدد بتأجيج الانقسامات داخل مجتمع مُنهك أصلًا بفعل سنوات الحرب". فعلى سبيل المثال، أشار إلى مقابلةٍ أُجريت في الشارع انتقد فيها رجلٌ وجود أشخاص من خارج دمشق في العاصمة. وأوضح المصدر قائلًا: "ينتشر هذا النوع من المحتوى أحيانًا على نطاق واسع، ولكنه غالبًا ما يُفاقم التوترات الاجتماعية القائمة".
وأعرب مصدر في قطاع غزّة، متعاون مع منصة "جسور"، عن اعتراضه على خيارات المنصة التحريرية، التي وصفها بأنها قمع صارم لأي معارضة لإسرائيل وحلفائها. وأضاف: "إن التعبير عن الرأي عبر ’جسور’ ضد سلوك كل من إسرائيل وحماس في قطاع غزة قد يعني أن كلماتك ستخضع للرقابة، ولن يبقى إلا جانب واحد من النقد".
وعلى عكس الوضع في سورية، حيث يحمل مراسلو "جسور" عادةً ميكروفونات تحمل شعار القناة، فإن مراسليها في قطاع غزّة لا يفعلون ذلك. ونتيجةً لذلك، أوضح مصدرٌ عمل مع "جسور" في القطاع أن الأشخاص الذين يُجرون معهم المقابلات لا يدركون دائمًا أنهم يتحدثون إلى "جسور"، التي استُهدفت مرارًا وتكرارًا من قِبَل حماس. وبالتالي، يتعرض من تُجرى معهم المقابلات للخطر دون علمهم، عندما يبحث مسلحو حماس عن أشخاص ظهروا في تغطية "جسور"، ويستجوبونهم لتحديد هوية المراسلين العاملين في المنصة.
وقد رفضت عويس، في مقابلة حديثة مع صحيفة "هآرتس"، الإجابة عن سؤال حول مصادر تمويل "جسور"، ورفضت الانتقادات الموجهة إلى مبادرتها الإعلامية غير التقليدية، معتبرةً أنها صادرة عن مواقع إخبارية تابعة لحماس. وادّعت قائلةً: "جزء كبير من الهجمات ذو طابع شخصي، موجه إليّ كامرأة وليس كصحافية أو كرئيسة تحرير منصة إخبارية". وأضافت: "أي موقف يخالف ’خط المقاومة’ العربي المتعارف عليه يُتهم بأنه ’أداة’ في يد الإسرائيليين".
ويتناقض رفض "جسور" الكشف عن مصادر تمويلها وإصرارها على الظهور بوصفها منصة إعلامية مستقلة ملتزمة بحرية الصحافة، مع نهج مؤسسها وقائدها الظاهر تجاه وسائل الإعلام الأخرى المنتقدة لإسرائيل. وقد تحدث براود في كتابه الصادر عام 2019، والذي وضع مخططًا لما أصبح يُعرف بـ"جسور"، عن أهمية "تشويه سمعة الجهات المعادية". وأضاف أن هذا: "يستلزم إعداد ملفات لكل قناة مستهدفة، لا تقتصر على وصف محتواها فحسب، بل تشمل أيضًا تحقيقًا في ملكيتها وهيكلها الإداري وموظفيها".
يتجلى هذا النهج أيضًا في شراكة مركز اتصالات السلام مع مؤسسة "الصحافة الحُرة"، التي أدرجت مواد من المركز في تقرير مصور ضد قناة الجزيرة نُشر في أيلول/ سبتمبر 2025، وشاركته عويس عبر حسابها في منصة "إكس" (تويتر سابقًا) إلى جانب سفارة إسرائيل في واشنطن. ويستند الفيديو، الذي يعتمد على شهادات مجهولة المصدر، إلى ادعاء مفاده أن الصحافيين العاملين في قناة الجزيرة في قطاع غزّة يسيئون استخدام وضعهم المحمي المزعوم، وأنهم في الواقع عناصر نشطة في حركة حماس. ويواصل التقرير الدفاع عن اغتيال أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، وثلاثة من زملائه في هجوم إسرائيلي على خيمة إعلامية خارج البوابة الرئيسة لمستشفى الشفاء في مدينة غزة، مصرحًا دون دليل بأن: "مثل هذه الخيام غالبًا ما تستخدم مراكزَ قيادة لحماس".
ولم يرد جوزيف براود وهديل عويس على أي من أسئلة "+972" التفصيلية بشأن وثائق معهد دراسات الأمن القومي (INSS) المسربة، أو طبيعة علاقة "جسور" ومركز اتصالات السلام مع منصة "الصحافة الحُرة"، والميليشيات الموالية لإسرائيل في قطاع غزّة.
واكتفت عويس بإرسال بريد إلكتروني مقتضب من جملة واحدة، قالت فيه: "تفخر ’جسور نيوز’ بإيصال أصوات المهمّشين في جميع أنحاء العالم العربي، ونحن نؤكد صحة جميع تقاريرنا". وبعد دقائق، رد براود برسالة مقتضبة مماثلة قائلًا: "بينما تروّجون لنظريات المؤامرة، يعمل مركز اتصالات السلام بلا كلل لتعزيز التنمية البشرية والسلام بين شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".