تقرير: ترامب بين الدبلوماسية والحرب.. لماذا يبدو "الشرق الأوسط الجديد" أبعد من أي وقت مضى؟
<p style="text-align: right;">ما يعكس استمرار تأثير طهران على أحد أهم الممرات البحرية العالمية</p>
واشنطن: رغم الخطوات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، يرى تحليل نشرته مجلة The Economist أن الحديث عن “شرق أوسط جديد” لا يزال سابقًا لأوانه، إذ تكشف التطورات الميدانية عن استمرار الصراع الإقليمي وتراجع فرص التسوية الشاملة، في وقت تتزامن فيه المفاوضات مع التصعيد العسكري على أكثر من جبهة.
ويشير التقرير إلى أن المنطقة تعيش واقعين متوازيين؛ الأول دبلوماسي يتمثل في مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية الموقعة في 17 يونيو/حزيران 2026، ومحاولات واشنطن فتح قنوات اتصال مباشرة مع طهران، إضافة إلى الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي الأول منذ أكثر من أربعة عقود، فيما يتمثل الواقع الثاني في استمرار الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، والهجمات على الملاحة في مضيق هرمز، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. ويخلص التحليل إلى أن الدبلوماسية والحرب تسيران جنبًا إلى جنب، دون أن تنجح الأولى في احتواء الثانية.
ويلفت التقرير إلى أن الهجوم الذي تعرضت له سفينة الحاويات Lovely Ever في 25 يونيو/حزيران شكّل نموذجًا لهذا التناقض، إذ هاجمها الحرس الثوري الإيراني عقب خروجها من مضيق هرمز عبر الممر الجنوبي، لترد الولايات المتحدة بقصف أهداف عسكرية داخل إيران، قبل إعلان انتهاء المواجهة وإعادة فتح المضيق أمام الملاحة بعد أيام. وبحسب The Economist، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالتصعيد العسكري، وإنما بصراع جيوسياسي على السيطرة على طرق الملاحة، حيث تسعى إيران إلى فرض استخدام الممر الشمالي الخاضع لنفوذها، بينما يمثل الممر الجنوبي الذي تعمل سلطنة عُمان والمنظمة البحرية الدولية على تنظيمه تهديدًا مباشرًا لهذا النفوذ.
ورغم هذه التطورات، يلاحظ التقرير أن أسواق النفط لم تشهد اضطرابات كبيرة، إذ بقي سعر خام برنت قريبًا من مستوياته السابقة، في حين تراجعت حركة الملاحة بشكل ملحوظ، واضطرت غالبية السفن إلى استخدام الممر الشمالي الخاضع للرقابة الإيرانية، بما يعكس استمرار تأثير طهران على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وفي الملف اللبناني، يوضح التقرير أن الاتفاق المعلن بين إسرائيل ولبنان ينص على التزام الحكومة اللبنانية بالعمل على نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يحتلها في الجنوب. إلا أن التحليل يرى أن الاتفاق يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، إضافة إلى الانتقادات اللبنانية التي تعتبر بعض بنوده انتقاصًا من السيادة الوطنية، فضلًا عن أن مسألة نزع سلاح حزب الله سبق أن وردت في قرارات واتفاقات سابقة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
كما يعتقد التقرير أن حزب الله يمثل العقبة الأكثر تعقيدًا أمام تنفيذ الاتفاق، بالنظر إلى تفوقه العسكري داخل لبنان وقدرته على تعطيل أي ترتيبات لا تنسجم مع مصالحه. ويشير إلى أن تصريحات قيادات في الحزب حذرت من أن محاولة فرض تنفيذ الاتفاق بالقوة قد تدفع البلاد نحو مواجهة داخلية، وهو ما يعزز المخاوف من عودة شبح الحرب الأهلية اللبنانية.
وفي الشق الإيراني، يلفت تحليل The Economist إلى وجود تناقض بين رؤية طهران لمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية وبين الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، إذ تعتبر إيران أن المذكرة تتطلب وقفًا شاملًا لإطلاق النار وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا، بينما تربط استئناف الحوار النووي بتنفيذ تلك الالتزامات، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي.
ويضيف التقرير أن الجولة الجديدة من المفاوضات النووية، التي كان يفترض أن تفضي إلى اتفاق خلال ستين يومًا، تبدو مرشحة لأن تُعقد بصورة غير مباشرة عبر وساطة قطرية وباكستانية، في ظل استمرار انعدام الثقة بين الطرفين وصعوبة معالجة الملفات الأساسية، وفي مقدمتها تخصيب اليورانيوم والعقوبات الاقتصادية.
ويخلص التقرير إلى أن التفاؤل الأمريكي بإمكانية تدشين مرحلة جديدة في الشرق الأوسط لا ينسجم مع الوقائع الميدانية، معتبرًا أن مضيق هرمز سيبقى ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، وأن الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي لن يغيّر موازين القوى ما لم تدعمه آليات تنفيذ فعالة وإرادة أمريكية مستدامة، فيما تنظر طهران إلى مذكرة التفاهم والاتفاق اللبناني باعتبارهما مسارين متعارضين، الأمر الذي يضيق هامش الدبلوماسية ويجعل الوصول إلى صفقة نووية شاملة أكثر صعوبة.