تقرير: السياسات الإسرائيلية تضع اقتصاد الضفة الغربية على حافة الانهيار
واشنطن: حذر تقرير حديث صادر عن مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) من أن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية يواجه أخطر أزماته منذ سنوات، نتيجة السياسات المالية والإدارية التي انتهجتها الحكومة الإسرائيلية عقب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي وسعت نطاق القيود المفروضة على الحركة والتجارة والإيرادات، بما أدى إلى تقويض قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة الاقتصاد وتقديم الخدمات الأساسية.
ويشير التقرير إلى أن حكومة الاحتلال، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، استخدمت أدوات مالية ومصرفية وإدارية لتشديد السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني، في إطار سياسة يعتبرها التقرير تتجاوز المتطلبات الأمنية، وتستهدف زيادة اعتماد الضفة الغربية على إسرائيل وإضعاف مقومات قيام اقتصاد فلسطيني مستقل.
وأوضح التقرير أن جذور هذه الأزمة تعود إلى بنية العلاقة الاقتصادية التي نشأت منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، ثم ترسخت بعد اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، حيث بقي الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بالشيكل الإسرائيلي، وبالمصارف الإسرائيلية، وبالموانئ والمعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، الأمر الذي جعل أي قرار إسرائيلي قادرًا على التأثير المباشر في النشاط الاقتصادي الفلسطيني.
وأضاف التقرير أن أبرز أدوات الضغط تمثلت في التهديد المتكرر بوقف الضمانات التي تسمح للمصارف الفلسطينية بالحفاظ على علاقاتها مع المصارف الإسرائيلية المراسلة، وهو ما أبقى النظام المصرفي الفلسطيني في حالة دائمة من عدم اليقين، مع مخاطر حقيقية بتعطل عمليات الدفع والتحويل المالي إذا توقفت هذه العلاقات.
كما يلفت التقرير إلى أن إسرائيل واصلت احتجاز إيرادات المقاصة، التي تمثل نحو ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، ووسعت الاقتطاعات المالية، وصولًا إلى تعليق تحويل الأموال بالكامل لفترات متكررة خلال عام 2025، ما أدى إلى عجز مالي كبير، واضطر السلطة إلى صرف رواتب موظفيها بنسبة تراوحت بين 50 و70 بالمئة فقط منذ اندلاع الحرب.
وفي السياق ذاته، يشير التقرير إلى تفاقم أزمة فائض السيولة بالشيكل، نتيجة رفض بنك إسرائيل استيعاب الكميات المتراكمة لدى المصارف الفلسطينية، وهو ما رفع تكاليف التخزين والتأمين، وأدى إلى زيادة الضغوط على القطاع المصرفي، مع تنامي مخاطر انتقال جزء من النشاط المالي إلى قنوات غير رسمية.
وعلى صعيد الحركة والتنقل، يؤكد التقرير أن انتشار مئات الحواجز ونقاط التفتيش داخل الضفة الغربية أدى إلى تفتيت السوق الفلسطينية ورفع تكاليف النقل والتجارة، فيما ألغيت تصاريح نحو 200 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون داخل إسرائيل والمستوطنات، الأمر الذي تسبب بخسارة دخل شهرية تقدر بين 370 و400 مليون دولار، بما يعادل نحو خمس إلى ربع الناتج المحلي الفلسطيني. كما تزايدت القيود على المعابر الدولية، وتراجع وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم في المنطقة (ج)، بالتزامن مع تصاعد عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي والمراعي.
ووفقًا للتقرير، انعكست هذه الإجراءات على المؤشرات الاقتصادية بصورة حادة، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الضفة الغربية من 17.8 مليار دولار عام 2023 إلى 13.7 مليار دولار عام 2024، وارتفعت البطالة إلى نحو 32%، فيما قفزت معدلات الفقر قصيرة الأجل من 12% إلى 28%. كما تواجه البلديات والشركات الخاصة والسلطة الفلسطينية ضغوطًا مالية متزايدة، مع تراكم ديون والتزامات تقدر بنحو 15 مليار دولار.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذه السياسات يهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الضفة الغربية، محذرًا من أن اتساع الفجوة بين حجم الأزمة وبطء الاستجابة الدولية سيجعل أي عملية تعافٍ مستقبلية أكثر صعوبة وكلفة. ويرى التقرير أن الحد من مخاطر الانهيار يتطلب إعادة تحويل أموال المقاصة بصورة منتظمة، وتخفيف القيود على الحركة، واستقرار العلاقات المصرفية، إلى جانب إصلاحات داخلية فلسطينية، وضغط دولي منسق لوقف الإجراءات التي يعتبرها التقرير ذات طابع عقابي.