تقرير لمعهد أبحاث أمريكي: رحيل بوتين لن يغيّر النهج الاستراتيجي لروسيا وخليفته سيواجه قيودًا معقدة
واشنطن: يرى تقرير تحليلي صادر عن معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي (Foreign Policy Research Institute - FPRI) أن رحيل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متى حدث، لن يقود بالضرورة إلى تحول جذري في السياسة الروسية، مرجحًا أن تستمر الدولة في اتباع النهج الاستراتيجي ذاته، حتى وإن طرأت تغييرات في أسلوب الإدارة أو شخصية الحاكم الجديد.
ويشير التقرير إلى أن بوتين، الذي يقود روسيا منذ أكثر من ربع قرن، نجح في إعادة تشكيل الدولة الروسية على أسس أمنية ومركزية، كما أعاد ترسيخ رؤية تعتبر روسيا قوة عظمى لها مجال نفوذ تاريخي في محيطها. وبحسب التقرير، فإن هذه الرؤية لم تعد مرتبطة بشخص بوتين وحده، بل أصبحت جزءًا من بنية النظام السياسي والثقافة السياسية والهوية الوطنية الروسية.
ويؤكد التقرير أن التاريخ الروسي يظهر نمطًا متكررًا يتمثل في انتقال السلطة بين قادة يختلفون في الأسلوب، لكنهم يحافظون على جوهر النظام الاستبدادي. فمنذ عهد القياصرة مرورًا بالحقبة السوفياتية وحتى روسيا الحديثة، كانت التغييرات غالبًا تكتيكية وليست بنيوية، باستثناء تجربة ميخائيل غورباتشوف التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، وهو ما يجعل النخب الروسية، وفق التقرير، تنظر بحذر شديد إلى أي مشروع إصلاحي واسع قد يهدد استقرار الدولة.
ويرى معهد FPRI أن خليفة بوتين سيجد نفسه مقيدًا ببنية سياسية صُممت لتركيز السلطة في يد الرئيس، وليس لتسهيل انتقالها. ويستند النظام إلى شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية والعسكرية والنخب الاقتصادية التي تتوازن فيما بينها تحت إشراف الكرملين، ما يجعل ظهور زعيم إصلاحي يمتلك حرية واسعة لإعادة صياغة النظام أمرًا غير مرجح.
وفي الجانب الخارجي، يوضح التقرير أن أي قيادة جديدة ستواجه إرث الحرب في أوكرانيا، والعلاقات المتوترة مع الغرب، واستمرار العقوبات الاقتصادية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الصين. ويرجح أن تبقى هذه القيود تحد من قدرة موسكو على إعادة الاندماج اقتصاديًا مع الغرب، خاصة أن الأسواق الأوروبية التي خسرتها روسيا في قطاع الطاقة يصعب تعويضها بالكامل عبر التوجه نحو آسيا. كما يشير التقرير إلى أن الدعم الصيني، رغم أهميته، ليس غير محدود، في ظل توجه بكين إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص اعتمادها على النفط الروسي.
اقتصاديًا، يلفت التقرير إلى أن روسيا تواجه تحديات هيكلية تتمثل في التضخم المرتفع، وأسعار الفائدة العالية، وتراجع النمو الحقيقي، إضافة إلى اعتماد الاقتصاد بصورة كبيرة على الإنفاق العسكري. ويحذر من أن أي انتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلم سيحمل مخاطر كبيرة، تشمل ارتفاع البطالة، وإفلاس بعض المؤسسات، وتراجع الإيرادات الحكومية، الأمر الذي قد يخلق ضغوطًا اجتماعية وسياسية على القيادة الجديدة.
ويخصص التقرير مساحة واسعة للهوية الوطنية الروسية، معتبرًا أنها أحد أهم العوامل التي تحدد مستقبل البلاد بعد بوتين. ويؤكد أن هذه الهوية تستند إلى مزيج من الإرث الإمبراطوري، والفكر الأوراسي، وإعادة الاعتبار لحقبة جوزيف ستالين، إلى جانب سردية تعتبر روسيا قوة حضارية مستقلة تتعرض لمحاولات احتواء غربية. ويرى التقرير أن هذه القناعات ليست حكرًا على السلطة، بل تحظى بدرجات متفاوتة من التأييد داخل المجتمع الروسي، وهو ما يحد من فرص تقديم تنازلات استراتيجية بشأن أوكرانيا أو العلاقات مع الغرب.
ويستشهد التقرير باستطلاعات رأي أظهرت أن نسبة كبيرة من الروس ما تزال تتوقع انتصار بلادها في الحرب، وتفضل الحفاظ على مكانة روسيا كقوة عظمى حتى لو جاء ذلك على حساب مستويات المعيشة، وهو ما يعكس استمرار المزاج القومي الذي يغذي سياسات الكرملين.
ويخلص التقرير إلى أن أي رئيس سيخلف بوتين سيواجه معادلة شديدة التعقيد؛ فإصلاح العلاقات مع الغرب وإنهاء الحرب يتطلبان تنازلات لا تبدو مقبولة لدى غالبية النخب وقطاعات واسعة من المجتمع، في حين أن استمرار النهج الحالي يعني بقاء الضغوط الاقتصادية والسياسية. ولذلك يرجح التقرير أن تشهد روسيا تغييرًا في القيادة دون أن تشهد تغييرًا جوهريًا في طبيعة النظام أو توجهاته الاستراتيجية، ما لم يحدث تحول داخلي استثنائي أو صدمة جيوسياسية كبرى تعيد تشكيل الدولة الروسية من جذورها.