تقرير: أوروبا والخليج يتجهان نحو شراكة استراتيجية لمواجهة اضطرابات النظام الدولي
واشنطن: يرى تحليل نشره المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أن التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وتراجع اليقين بشأن استمرار الدور القيادي للولايات المتحدة، يفتحان المجال أمام بناء شراكة استراتيجية أعمق بين أوروبا ودول الخليج، بما يسمح للطرفين بتعزيز أمنهما الاقتصادي والدفاعي، وتشكيل مركز ثقل جديد في النظام العالمي.
ويشير التقرير، الذي أعده الباحث أليكس الناجدي، إلى أن أوروبا والخليج يملكان مصالح استراتيجية متقاربة، إذ تعتمد المنطقتان على استقرار الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، كما تواجهان تداعيات مباشرة لأي اضطراب في أمن مضيق هرمز أو البيئة الأمنية الإقليمية، ما يجعلهما أكثر حاجة إلى تنسيق سياساتهما في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
ويؤكد الكاتب أن النظام الدولي القائم على القواعد يمر بمرحلة تراجع واضحة، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التردد الأمريكي في إدارة بعض الملفات الحيوية، الأمر الذي يدفع القوى المتوسطة إلى البحث عن ترتيبات جديدة لحماية مصالحها، بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.
ويبرز التقرير الأهمية الجيوسياسية للموقعين الأوروبي والخليجي، موضحاً أن الممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب وصولاً إلى المضائق الأوروبية تمثل شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والتجارة البحرية الدولية عبر هذه النقاط، ما يمنح المنطقتين ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً يصعب تجاهله. كما يلفت إلى أن تطوير الموانئ والمطارات وشبكات السكك الحديدية وخطوط الأنابيب يمكن أن يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويرفع من النفوذ الاقتصادي للطرفين.
وفي الجانب العسكري، يرى التقرير أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت تحولاً جذرياً في طبيعة الحروب الحديثة، إذ أصبحت الطائرات المسيّرة والبيانات والذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة عناصر حاسمة في تحقيق التفوق العسكري. ويشير إلى أن أوكرانيا راكمت خبرة واسعة في هذا المجال، بينما تمتلك دول الخليج قدرات مالية واستثمارية وبنية تحتية متقدمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة، وهو ما يتيح للطرفين، إلى جانب القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، تأسيس منظومة دفاعية مشتركة قادرة على المنافسة عالمياً.
كما يلفت الكاتب إلى أن اختلافات أوروبا والخليج في بعض الملفات السياسية والقيمية لم تعد تمثل العقبة الأساسية أمام التعاون، في ظل تصاعد التهديدات الجيوسياسية. ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه مضطراً إلى تحقيق توازن بين التمسك بأجندته التنظيمية والبيئية وبين الحفاظ على أمنه الاقتصادي وتأمين مصادر الطاقة، ما يجعل العلاقات مع دول الخليج أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ويؤكد التقرير أن التعاون الأوروبي الخليجي بدأ يكتسب زخماً مؤسسياً متزايداً، مستشهداً بتطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، إلى جانب توجه دول الخليج لتنويع شراكاتها الأمنية، في وقت رفعت فيه أوروبا إنفاقها الدفاعي بصورة ملحوظة نتيجة الحرب في أوكرانيا والتوترات الإقليمية.
ويخلص الباحث إلى أن أوروبا والخليج يمتلكان فرصة تاريخية لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مشاريع البنية التحتية، واتفاقيات التجارة الحرة، والتعاون الدفاعي والتكنولوجي، بما يعزز استقلاليتهما الاستراتيجية ويؤهلهما لتشكيل مركز ثقل جديد في النظام الدولي، يصعب على القوى الكبرى تجاهله. وبحسب التقرير المنشور في المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، فإن هذه الشراكة قد تصبح أحد أهم التحولات الجيوسياسية خلال السنوات المقبلة إذا نجح الطرفان في تحويل المصالح المشتركة إلى مشاريع عملية ومستدامة.