هل تُغيّر واشنطن قواعد اللعبة أم تُعيد إدارة الأزمة؟
قراءة قانونية وسياسية في الرسائل الأمريكية إلى حكومة نتنياهو ومعضلة الاحتلال الإسرائيلي
على امتداد ما يقارب ستة عقود من الاحتلال، لم يعرف الفلسطينيون الاستقرار أو الأمن أو الحد الأدنى من الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني. فمنذ احتلال عام 1967، تتوالى الاجتياحات العسكرية، وتتوسع المستوطنات، وتُهدم المنازل، وتُصادر الأراضي، وتُقتلع الأشجار، ويُهجَّر السكان قسرًا، بينما تتعرض القدس لسياسات تهويد ممنهجة تستهدف هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، في مخالفة صريحة لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
واليوم، تتجسد هذه المعاناة بصورة أكثر قسوة في شمال الضفة الغربية، حيث شهدت مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين عمليات عسكرية واسعة النطاق، رافقها تدمير ممنهج للبنية التحتية، وتجريف للشوارع، وهدم للمنازل، وتهجير آلاف السكان قسرًا من بيوتهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان سياسات العقاب الجماعي والتطهير السكاني التي يحظرها القانون الدولي الإنساني. وفي الوقت ذاته، تتواصل الاعتداءات في مسافر يطا والأغوار الفلسطينية عبر عمليات الهدم والإخلاء القسري والاستيلاء على الأراضي لصالح التوسع الاستيطاني، في حين تتسارع مشاريع الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة في القدس والضفة الغربية، بالتوازي مع استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات المقاصة الفلسطينية، بما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويضعف قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
في ظل هذا المشهد، تتزايد القناعة داخل العديد من العواصم الغربية بأن استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية في سياساتها لم يعد يشكل عبئًا على الفلسطينيين وحدهم، بل أصبح مصدر تهديد للاستقرار الإقليمي، وللمصالح الغربية ذاتها، وللصورة الدولية للدول التي تواصل تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل.
ومن هنا تكتسب التسريبات التي بثتها القناة الإسرائيلية الثالثة عشرة (القناة 13) أهمية سياسية تتجاوز مضمونها المباشر، بعدما تحدثت عن إعداد الإدارة الأمريكية قائمة مطالب ستقدمها إلى حكومة بنيامين نتنياهو، تشمل تقليل الحواجز العسكرية، والإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية، وكبح عنف المستوطنين، والتعامل مع التوثيق المتزايد لعنف الجنود الإسرائيليين ضد الفلسطينيين.
هذه المطالب، وإن بدت للوهلة الأولى إجراءات إدارية أو إنسانية، فإنها تعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن السياسات الإسرائيلية الحالية باتت تُنتج أزمات تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتهدد الاستقرار الإقليمي، وتضع واشنطن نفسها في مواجهة انتقادات دولية غير مسبوقة بسبب استمرار دعمها لإسرائيل.
اعتراف أمريكي متأخر بحجم الأزمة
لعل أخطر ما تكشفه هذه التسريبات أنها تمثل اعترافًا غير مباشر بأن الضفة الغربية تقف على حافة انفجار واسع، نتيجة تراكم سياسات الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، وإغلاق المدن والقرى بالحواجز العسكرية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وتفاقم الأزمة الاقتصادية بسبب احتجاز أموال المقاصة، واستمرار غياب أي أفق سياسي.
وتدرك دوائر صنع القرار في واشنطن أن انهيار السلطة الفلسطينية أو فقدانها القدرة على أداء وظائفها سيضع إسرائيل أمام واقع جديد تتحمل فيه المسؤولية الكاملة عن إدارة ملايين الفلسطينيين، بما يحمله ذلك من أعباء أمنية وسياسية واقتصادية وقانونية لا ترغب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في تحملها.
الحواجز العسكرية... تخفيف للاحتقان لا إنهاء للاحتلال
لا خلاف على أن إزالة بعض الحواجز العسكرية ستخفف من معاناة الفلسطينيين اليومية، لكنها لن تمس جوهر منظومة الاحتلال، التي تقوم على السيطرة العسكرية، وتقييد حرية الحركة، والتحكم في الاقتصاد الفلسطيني، وتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة.
ومن ثم فإن تقليص الحواجز، إذا تم، لن يكون أكثر من معالجة لأحد أعراض الأزمة، بينما يبقى السبب الحقيقي متمثلًا في استمرار الاحتلال وسياساته.
أموال المقاصة... ورقة ضغط سياسية
إن مطالبة واشنطن بالإفراج عن أموال المقاصة لا تنطلق من الاعتراف بالحقوق المالية الفلسطينية بقدر ما تعكس خشية أمريكية من انهيار الوضع الاقتصادي والإداري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فإسرائيل استخدمت أموال المقاصة، التي تمثل حقًا ماليًا فلسطينيًا، كورقة ضغط سياسي، في مخالفة للاتفاقات الموقعة، الأمر الذي أدى إلى أزمة مالية خانقة أثرت في قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الإفراج عن هذه الأموال باعتباره ضرورة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وليس بوصفه تصحيحًا لسياسة مخالفة للقانون.
عنف المستوطنين... سياسة ممنهجة لا تجاوزات فردية
لم يعد بالإمكان توصيف اعتداءات المستوطنين بأنها أحداث معزولة، فقد تحولت إلى سياسة ميدانية متكررة تستهدف فرض واقع جديد على الأرض من خلال إرهاب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل عن أراضيهم.
وقد وثقت منظمات دولية وإسرائيلية مئات الاعتداءات التي طالت المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، في ظل عجز أو امتناع سلطات الاحتلال عن ملاحقة مرتكبيها، الأمر الذي عزز الانطباع بأن هذه الاعتداءات أصبحت جزءًا من منظومة فرض التوسع الاستيطاني.
ولهذا لم تعد هذه القضية شأنًا فلسطينيًا داخليًا، بل أصبحت مصدر قلق متزايد حتى لدى أقرب حلفاء إسرائيل.
عنف الجنود... أزمة أخلاقية وقانونية
إدراج ملف عنف الجنود الإسرائيليين ضمن المطالب الأمريكية يعكس حجم التأثير الذي أحدثته الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت استخدام القوة ضد المدنيين الفلسطينيين.
فالانتهاكات التي يجري توثيقها بصورة شبه يومية لم تعد تؤثر فقط في صورة إسرائيل، وإنما أصبحت تشكل تحديًا أخلاقيًا وسياسيًا للدول التي توفر لها الغطاء الدبلوماسي والعسكري.
ومع ذلك، فإن القلق الأمريكي يبدو حتى الآن منصبًا على تداعيات هذه الانتهاكات على مكانة إسرائيل الدولية، أكثر من انصبابه على مساءلة المسؤولين عنها وفق قواعد القانون الدولي.
هل تتغير السياسة الأمريكية؟
السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستطلب من حكومة نتنياهو تخفيف بعض الإجراءات، وإنما ما إذا كانت مستعدة للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.
فحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات على تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، إذ ما زالت واشنطن توفر لإسرائيل الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، وتستخدم نفوذها لحمايتها في المحافل الدولية.
لكن في المقابل، تشير هذه الرسائل إلى أن الإدارة الأمريكية باتت ترى أن استمرار سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس، أصبح يضر بالمصالح الأمريكية، ويقوض فرص الاستقرار الإقليمي، ويصعّب مشاريع التطبيع، ويزيد من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.
بين إدارة الأزمة وإنهاء الاحتلال
من منظور القانون الدولي، فإن تقليل الحواجز، أو الإفراج عن أموال المقاصة، أو الحد من عنف المستوطنين، تبقى إجراءات مرحلية لا تعالج أصل المشكلة.
فجوهر الأزمة يكمن في استمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، وضم الأراضي بصورة فعلية، وتهجير السكان، وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي، ولا سيما في القدس المحتلة، وهي جميعها ممارسات تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، وقرارات الشرعية الدولية، والآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
ولهذا فإن أي مقاربة لا تنطلق من إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ستبقى مجرد إدارة للأزمة، وليست حلًا لها.
خاتمة
إن ما كشفته القناة 13، إذا صحّت تفاصيله، لا يمثل بالضرورة تحولًا في الموقف الأمريكي، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية أصبحت تشكل عبئًا استراتيجيًا حتى على أقرب حلفائها.
غير أن التاريخ القريب يؤكد أن الفجوة بين الخطاب الأمريكي والممارسة العملية ظلت واسعة؛ إذ غالبًا ما بقيت الانتقادات في حدود الرسائل السياسية، دون أن تقترن بإجراءات ضاغطة تُلزم إسرائيل باحترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة: هل تمتلك واشنطن الإرادة السياسية للانتقال من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة إنهاء الاحتلال، أم أنها ستواصل الاكتفاء بتخفيف حدة الأزمة مع الإبقاء على أسبابها البنيوية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بل سترسم أيضًا ملامح المرحلة القادمة للقضية الفلسطينية، ولمستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بأسره.