مقالات

"غزة.. شعب يحتضر على طاولة المفاوضات"

"غزة.. شعب يحتضر على طاولة المفاوضات"

ليس السؤال اليوم كيف يعيش أهل غزة، بل كيف ما زالوا قادرين على الصمود وهم يواجهون كل هذا القدر من الألم والقهر والحرمان؟
‏عامٌ بعد عام، وشهرٌ بعد شهر، تتبدل العناوين السياسية وتستمر المفاوضات، بينما يبقى الإنسان في غزة وحيداً في مواجهة واقع يكاد يعجز الوصف عن نقل تفاصيله. الناس هناك لا ينتظرون رفاهية، ولا يبحثون عن امتيازات، بل ينتظرون أبسط حقوق الإنسان: حياةً يمكن أن تُسمى حياة.
‏في غزة، أصبح الانتظار أسلوب حياة مفروضاً. انتظار وقف الحرب، وانتظار فتح المعابر، وانتظار وصول الغذاء والدواء، وانتظار الكهرباء والمياه، وانتظار قرارٍ ما قد يحمل انفراجاً لا يأتي. وبين كل انتظار وآخر تتسع دائرة المعاناة، ويزداد الشعور بأن هذا الشعب تُرك وحيداً في مواجهة مصيره.
‏تحت شمس الصيف اللاهبة، تختنق الخيام بمن فيها. أطفال ينامون على الأرض، وأمهات يخفين دموعهن خوفاً على أبنائهن، وشيوخ أنهكتهم السنوات والحروب المتلاحقة. حرارة قاسية، ونقص في الماء، وبيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية. أما الخيمة التي كان يفترض أن تكون ملاذاً مؤقتاً، فقد تحولت إلى عنوان دائم للقلق والخوف والمعاناة.
‏وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحسابات السياسية والمفاوضات المعقدة بين أطراف الصراع، يبقى السؤال المؤلم حاضراً في وجدان كل غزي: من يتفاوض من أجل الإنسان؟ من يحمل همّ الطفل الذي فقد أسرته؟ ومن يسمع أنين المريض الذي ينتظر العلاج؟ ومن يشعر بوجع الشباب الذين سُرقت أحلامهم وأعمارهم وفرصهم في الحياة؟
‏لقد تعب الناس من الكلمات. تعبوا من البيانات والتصريحات والوعود المؤجلة. تعبوا من سماع الحديث عن حلول قريبة لا تصل أبداً. ما يحتاجه أهل غزة اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل خطوات حقيقية تعيد إليهم شعورهم بأن العالم ما زال يرى معاناتهم ويعترف بحقهم في الحياة الكريمة.
‏إن المأساة الحقيقية ليست فقط في حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل في اعتياد العالم على هذا الألم، وكأن معاناة غزة أصبحت خبراً عادياً لا يستدعي التحرك العاجل. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول وجع البشر إلى مشهد مألوف، وأن يصبح الصمت الدولي جزءاً من المأساة نفسها
‏شعب غزة لا يطلب المستحيل. لا يطلب سوى أن يعيش كما يعيش البشر. أن يجد مأوى آمناً، وماءً نظيفاً، وغذاءً كافياً، وتعليماً لأطفاله، ومستقبلاً لشبابه، وكرامةً تحفظ إنسانيته. هذه ليست مطالب سياسية، بل حقوق إنسانية لا يجوز أن تبقى رهينة الخلافات والصراعات والحسابات الضيقة.
‏وإذا كان العالم قد سمع صرخات غزة مراراً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا لا يزال هذا الشعب ينتظر؟ وإلى متى سيبقى ملايين البشر أسرى الألم والترقب بينما تتآكل أعمارهم بين الخيام والجوع والخوف؟
‏إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى إرادة حقيقية تنهي معاناة شعب أنهكته الحروب والحصار والخذلان. فالشعوب لا تعيش بالأمنيات، والإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبله فوق ركام الانتظار.
‏غزة اليوم لا تطلب الشفقة، بل تطلب العدالة. لا تطلب التعاطف العابر، بل حقها الطبيعي في الحياة. وغزة، رغم كل ما أصابها، ما زالت ترفع صوتها إلى العالم كله: أنقذوا الإنسان قبل أن يصبح الأمل نفسه ضحية جديدة من ضحايا هذه المأساة الطويلة.