تونس ليست ساحة للكراهية..بل وطن يتسع للجميع..
-الكلمة حين تستدعي السلاح تفقد رسالتها الإنسانية،وتصبح معولا يهدم المجتمع بدل أن يبنيه.
-إن تطبيق القانون بحزم على كل من يروّج للعنف أو يحرض عليه عبر الفضاء الرقمي،هو واجب وطني قبل أن يكون إجراء قانونيا،حتى تظل تونس وطنا للكلمة الحرة،وللاختلاف المسؤول،وللتعايش بين جميع أبنائها،وطنا يتسع للجميع دون استثناء،لأننا أهل هذا البلد،ولسنا لاجئين فيه.( الكاتب)
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد نافذة لتبادل الآراء والأفكار،بل تحول في أحيان كثيرة إلى ساحة تتداخل فيها حرية التعبير مع خطاب الكراهية، ويختلط فيها النقد المشروع بالتحريض الصريح على العنف.والأخطر من ذلك أن بعض المقاطع المصورة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي تجاوزت كل الضوابط الأخلاقية والقانونية،لتدعو علنا إلى تصفية بعض السياسيين التونسيين جسديا،وكأن الاختلاف في الرأي أصبح مبررا لإهدار الدم،وكأن حياة الإنسان فقدت قيمتها أمام نزوات التعصب والانفعال.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بحجم الاتفاق بين المواطنين،وإنما بقدرتهم على إدارة خلافاتهم في ظل القانون،واحترام الرأي المخالف،والإيمان بأن الكلمة أقوى من الرصاصة،وأن الحجة أبلغ من العنف.فمن حق كل مواطن أن يعارض،وأن ينتقد، وأن يرفض السياسات والخيارات،لكن ليس من حق أحد أن يحوّل ذلك إلى دعوة للقتل أو الانتقام،لأن الكلمة حين تستدعي السلاح تفقد رسالتها الإنسانية،وتصبح معولا يهدم المجتمع بدل أن يبنيه.
فالتحريض على القتل ليس رأيا سياسيا،ولا موقفا فكريا،ولا تعبيرا عن الغضب،بل هو جريمة تمس أمن المجتمع وسلامه،وتهدد هيبة الدولة وسيادة القانون.
وحين يُترك مثل هذا الخطاب دون ردع،فإنه يغذي ثقافة الانتقام،ويُطبع مع العنف،ويزرع في النفوس قناعة خطيرة مفادها أن الخلاف لا يُحسم بالحوار،يل بالقوة والإقصاء.
وليس المهم هنا اسم المستهدف أو انتماؤه السياسي،ولا مدى اتفاقنا أو اختلافنا معه، فالقضية أسمى من الأشخاص وأبقى من المواقف. إنها قضية مبدأ،عنوانه أن الحق في الحياة مقدس،وأن القانون وحده هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع،وأن الدولة لا يمكن أن تسمح بتحويل الفضاء الرقمي إلى منصة لإصدار أحكام بالإعدام خارج مؤسسات العدالة.
إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تتحول المنابر الرقمية إلى ساحات لتوزيع الكراهية،ولا أن يصبح التحريض على سفك الدماء جزءا من الخطاب العام.فالأوطان تُبنى بالحوار، وتنهض بالنقد المسؤول،وتترسخ باحترام الاختلاف،أما ثقافة العنف فلا تنتج إلا الانقسام والخوف والفوضى.
وحماية حرية التعبير لا تعني أبدا حماية خطاب التحريض،لأن الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقا، وتنتهي حدودها عندما تبدأ الدعوة إلى إزهاق الأرواح أو الاعتداء على سلامة الآخرين.
ومن هذا المنطلق،فإن تحرك النيابة العمومية،في إطار القانون،لملاحقة كل من يحرض على القتل أو يروج للعنف عبر الفضاء الرقمي،لم يعد خيارا،بل أصبح ضرورة وطنية لحماية السلم الأهلي، وصيانة هيبة الدولة،وترسيخ سيادة القانون.
وتونس التي نحلم بها هي تونس التي تتسع لكل أبنائها،مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم.
تونس لا تُدار بمنطق الإقصاء،ولا تُبنى بلغة التخوين،بل بروح المواطنة الجامعة.فنحن أبناء هذا الوطن،وأهل هذه الأرض،ولسنا لاجئين فيها، ولا غرباء عنها،حتى يُضيّق بعضنا على بعض أو يحتكر حق الانتماء إليها.
هذا الوطن يتسع للجميع،ولا يحق لأحد أن ينصب نفسه وصيا على الوطنية أو قاضيا على حق الآخرين في الاختلاف.
وفي الختام،أؤكد أن الأوطان لا يحميها خطاب الكراهية،ولا تصونها دعوات التصفية،وإنما يحميها احترام القانون،والإيمان بحرمة الحياة الإنسانية، والاحتكام إلى العقل والحوار.فحين يصبح التحريض على القتل أمرا مألوفا،يغدو الصمت مشاركة غير مباشرة في صناعة الخطر.
ولهذا،فإن تطبيق القانون بحزم على كل من يروّج للعنف أو يحرض عليه عبر الفضاء الرقمي،هو واجب وطني قبل أن يكون إجراء قانونيا،حتى تظل تونس وطنا للكلمة الحرة،وللاختلاف المسؤول،وللتعايش بين جميع أبنائها،وطنا يتسع للجميع دون استثناء،لأننا أهل هذا البلد،ولسنا لاجئين فيه.
وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا لما نروم الإشارة إليه..