مقالات

همسة في أذن هيئة التكنوقراط الفلسطينية.. "احذروا فخ المناطق الإنسانية"

همسة في أذن هيئة التكنوقراط الفلسطينية.. "احذروا فخ المناطق الإنسانية"

الأهم من الانحناء أمام العاصفة، هو أن نعرف كيف ننحني دون أن نسمح لها باقتلاعنا من جذورنا. فحين تضيق مساحة الخيارات، لا تصبح المسألة في مجرد قبول الواقع أو رفضه، وإنما في كيفية إدارة الممكن، وتحويل ما يبدو تنازلًا اضطراريًا إلى فرصة لتقليل الخسائر، ومنع الضرر المؤقت من أن يتحول إلى واقع دائم.

ومن هنا، فإن على هيئة التكنوقراط الفلسطينية، إذا كانت ستدخل قطاع غزة لإدارة ما يُطرح بوصفه (منطقة إنسانية) في رفح، باعتبارها تجربة أولى أو نموذجًا تجريبيًا، أن تدرك أن التفاصيل هنا ليست إدارية محضة، وأن الجغرافيا قد تكون أحيانًا أخطر من السياسة؛ لأن ما يبدأ كتدبير إنساني مؤقت قد ينتهي، إذا أُحسن توظيفه سياسيًا، إلى واقع جغرافي دائم.

وإذا كان الدخول إلى هذا المسار أمرًا لا مفر منه، فعلى الهيئة أن تجعل موافقتها مشروطة بإطار جغرافي متكامل، وأن تطلب بوضوح من مجلس السلام أن يكون وجودها وعملها ممتدًا، بالتوازي، إلى ثلاث مناطق رئيسية في قطاع غزة: رفح في الجنوب، والمنطقة الوسطى، وشمال القطاع. أي أن تكون المناطق الإنسانية جزءًا من تصور متصل يشمل غزة من شمالها إلى جنوبها، لا مشروعًا منفردًا يبدأ من رفح وينتهي عند حدودها.

إن خطورة التجربة الأولى في رفح لا تكمن في كونها تجربة إنسانية بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن تتحول التجربة إلى نموذج يُعمّم لاحقًا، فتُعاد هندسة القطاع على أساس مناطق منفصلة، ويُكرَّس واقع النزوح والتجمع السكاني في الجنوب، بينما يجري التعامل مع شمال غزة بوصفه منطقة استثنائية تخضع لترتيبات أمنية خاصة، بما يفتح الباب أمام اقتطاع أجزاء من جغرافيا القطاع تحت ذرائع «الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

وهنا تحديدًا ينبغي أن تكون اليقظة السياسية في أعلى مستوياتها؛ لأن الجغرافيا التي تُدار اليوم تحت عنوان الضرورة الإنسانية قد تصبح غدًا حدودًا سياسية يصعب تغييرها. وما يُقدَّم باعتباره إجراءً مؤقتًا قد يتحول، بفعل الزمن وتراكم الوقائع، إلى أمر واقع دائم.

لذلك، فإن إصرار الهيئة على أن تشمل الترتيبات الإنسانية الجنوب والوسط والشمال بالتوازي ليس تفصيلًا تقنيًا، ولا مطلبًا إداريًا هامشيًا، بل هو موقف سياسي بامتياز، يمكن أن يشكل خطًا دفاعيًا أول عن وحدة قطاع غزة وسلامة جغرافيته. فالمطلوب ليس فقط أن تنجح الهيئة في إدارة ما يُطلب منها، بل أن تضمن ألا تتحول إدارتها إلى غطاء لواقع جديد يُبنى على أنقاض القطاع، أو إلى أداة، عن قصد أو من دونه، في مشروع إعادة رسم حدوده ومساحته.

فالانحناء أمام العاصفة قد يكون أحيانًا ضرورة، لكن الخطر كل الخطر أن نعتاد الانحناء حتى ننسى أين كانت قامتنا، وأن نقبل بإدارة الأرض على نحوٍ ينتهي بنا إلى فقدانها.