غزة بين سراب الهدنة ولعنة الاستنزاف: خيوط الحرب التي لم تنقطع
حين أُعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تنفّس العالم الصعداء وظنّ الكثيرون أن آلة القتل قد وضعت أوزارها، وأن فصلاً كابوسياً من فصول الصراع قد طُوِي إلى غير رجعة. لكن على أرض الواقع، خلف غبار البيانات الدبلوماسية الأنيقة وفي أزقة القطاع المدمّر، يدرك الغزيون جيداً حقيقة مريرة: الحرب لم تنتهِ بعد، بل أعادت صياغة أدواتها وتكتيكاتها.
بين هدنة ورقية هشة واستمرار نزيف الدماء والتهجير، تبرز غزة اليوم كبقعة جغرافية تخوض حرباً صامتة وطويلة الأمد، تكاد تكون أشد ضراوة من القصف الجوي المباشر. فهل انتهت الحرب فعلاً أم أنها ما زالت تحيك خيوطها الخفية؟
لم تكن صرخات الناشطين والمواطنين من داخل القطاع مجرد احتجاج عابر، بل كانت توثيقاً حياً بالصوت والصورة لواقع يومي يتناقض كلياً مع مصطلح "وقف إطلاق النار". فمنذ دخول الهدنة الهشة حيز التنفيذ، لم يتوقف سقوط الضحايا والجرحى.
تشير البيانات الميدانية إلى أن الغارات الموضعية والقصف المدفعي المتقطع وتوسيع "المناطق العازلة" ما زالت تقضم مساحات القطاع الضيقة أصلاً. هذا السلوك الميداني يحصر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط جغرافي يتقلص يوماً بعد يوم، تحت وطأة تهديدات أمنية مستمرة تجعل من "الهدنة" مجرد إعادة تموضع عسكري لا أكثر.
لا تقتصر الحرب الحالية على القذائف المتفجرة والمواجهات المباشرة؛ فالأداة الأكثر فتكاً التي ما زالت تُستخدم بكفاءة عالية هي الحصار الممنهج وسلاح التجويع.
*شح المساعدات واللوازم الأساسية: يُظهر الواقع اليومي انخفاضاً حاداً في معدلات تدفق الشاحنات المحملة بالمواد الإنسانية ومستلزمات الإيواء، حيث تفرض قيود مشددة تحرم العائلات النازحة من أبسط مقومات البقاء تحت أشعة الشمس الحارقة أو برد الشتاء القارس.
*الانهيار الصحي المستمر: مستشفيات غزة التي دُمّر معظمها لم تجد فرصة حقيقية للتعافي. ومع النقص الحاد في الأدوية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، ومنع آلاف الجرحى من السفر للعلاج، تحول "وقف إطلاق النار" إلى حكم إعدام بطيء للمرضى والمصابين.
*ملف إعادة الإعمار المعطل: مع بقاء المعابر شبه مغلقة سياسياً وعسكرياً، تظل عملية إعادة الإعمار مجرد وعود مؤجلة، مما يبقي مئات الآلاف من المواطنين يعيشون في خيام مهترئة أو بين أنقاض بيوتهم المدمرة.
تحيك الحرب خيوطها أيضاً في الأروقة السياسية المغلقة وعبر الشروط التعجيزية التي تفرضها الأطراف المختلفة. ورغم المقترحات العديدة لتشكيل لجان تكنوقراط وطنية لإدارة الشؤون الحياتية واليومية في القطاع، إلا أن العراقيل السياسية واشتراطات السيطرة الأمنية حالت دون تمكين أي سلطة مدنية من العمل بحرية على الأرض.
تكمن العقدة الكبرى في السعي لفرض واقع أمني جديد يتضمن نزع السلاح وفرض رقابة مشددة على حركة الأفراد والبضائع كشرط مسبق لأي عملية سياسية أو تمويل لإعادة الإعمار. هذا الاستعصاء السياسي حوّل الهدنة إلى حالة "لا حرب ولا سلم" يتجرع مرارتها المواطن الفلسطيني في تفاصيل حياته اليومية.
إن القول بأن حرب غزة قد انتهت هو قراءة سطحية لواقع شديد التعقيد. الحرب لم تنتهِ؛ بل تحولت من نمط الهجوم الشامل العنيف إلى نمط الاستنزاف البطيء والموضعي. إنها حرب تُدار اليوم بالتقطير، وبالقضم الجغرافي المستمر، وبتجميد شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي.
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقيات التي لا تضمن رفعاً كاملاً وحقيقياً للحصار، ووقفاً تاماً للانتهاكات الميدانية، وتوفيراً فورياً لمتطلبات الحياة الإنسانية والكرامة البشرية، هي مجرد مسكنات سياسية تخدم أطرافاً خارجية وتترك غزة وحيدة تحترق ببطء خلف ستار الدبلوماسية الدولية.
غزة لم تنتهِ حربها، بل ما زالت خيوطها تُحاك وتلتف حول أجساد أبنائها الصامدين في انتظار فجر حقيقي للحرية والسلام لم يشرق بعد.