مقالات

حنظلة على شواطئ الغرب:  عندما يرسم الألم جسورا..فوق المحيط..!

حنظلة على شواطئ الغرب:   عندما يرسم الألم جسورا..فوق المحيط..!

على الساحل الغربي لأيرلندا،حيث تصفع الرياح المحيط الأطلسي وجوه الصخور العتيقة،وقفت جزيرة "إينيس أوير" شاهدة على مشهد استثنائي. ليس لأن الأمواج هناك تغني بلغة مختلفة،ولا لأن الغيوم تتشكل بأشكال لم ترها فلسطين،بل لأن طفلا فلسطينيا صغيرا،بظهره المُدار ويديه المعقودتين خلفه،قرر أن ينزل من جدران الصحف العربية ليقف هناك،على أرض أيرلندية،حاملا معه هموم وطن لا يعرف الاستقرار،وأطفالا لا يعرفون كيف يكون الكبر دون أن يعودوا إلى بيوتهم.

تمثال حنظلة،الذي أنجزته الفنانة الأيرلندية بيلولوكا،لم يكن مجرد قطعة برونزية أو حجرية تُزين ساحة عامة.كان،في جوهره،اعترافا بأن القضية الفلسطينية تجاوزت حدود الجغرافيا،وأن رمزازكحنظلة لم يعد ملكا للعرب وحدهم،بل صار جزءا من وجدان الإنسانية جمعاء. 

حين صُنعت قاعدته من ألواح خشبية قديمة وصخور الجزيرة نفسها،كان هناك رسالة خفية: أن هذا الطفل الغريب،الذي يرفض أن يكبر حتى يعود إلى وطنه،إنما يُبنى اليوم من مكونات الأرض الأيرلندية،وكأن الجزيرة تقول لفلسطين: "أرضنا تحملك،وصخورنا تحتضن حلمك".!

منذ عام 1969،حين ولد حنظلة على يد ناجي العلي،كان الطفل الصغير يحمل في صمته ثورة كاملة.لم يكن مجرد رسمة،بل كان سؤالا وجوديا: كيف لطفل أن يكبر دون وطن؟! وكيف لشعب أن يشيخ دون أن يعود؟!

 قال ناجي العلي: "حنظلة لن يكبر إلا عندما يستعيد الفلسطيني وطنه".وهكذا،ظل هذا الطفل معلقا بين الطفولة والكهولة،بين الحلم والواقع، بين الظهر المُدار الذي يرفض النظر إلى القبح، واليدين المعقودتين اللتين تحملان كل شيء ولا تحملان شيئا..!

لكن حنظلة لم يبقَ في زوايا الصحف.لقد تسلل إلى القلوب،وتسلق الجدران في المخيمات،وحلق في سماء المدن العربية،وأصبح،بمرور السنوات، أكثر من مجرد شخصية كاريكاتورية.إنه أيقونة المقاومة الصامتة،ولسان حال من لا صوت لهم، وتذكير دائم بأن الأطفال في غزة،وفي كل فلسطين،ينتظرون أن يكبروا،لكنهم لن يفعلوا حتى تعود أرضهم إليهم.!

في جزيرة إينيس أوير،لم يكن الحدث مجرد تدشين تمثال.لقد تحولت المساحة إلى ساحة تضامن حية،حيث رفرفت الأعلام الفلسطينية في وجه الرياح الأيرلندية،وكأن البحر نفسه كان يحاول أن يربط بين شاطئين: شاطئ الجزيرة الخضراء،وشاطئ غزة الباهت.!

كان المشهد أشبه بمرآة تعكس كيف أن الفن،حين يكون صادقا،يصبح جسرا يعبر فوق كل الحدود، وكيف أن رمزا كحنظلة يمكنه أن يخاطب كل إنسان،أيا كان لسانه أو دينه أو انتماؤه.

الفنانة بيلولوكا،وهي تنحت هذا التمثال،لم تكن تصنع حجرا فحسب،بل كانت تحفر في ذاكرة الغرب صورة أخرى لفلسطين: ليست صورة الصراع السياسي البارد،بل صورة الأطفال الذين ينامون على أنغام القصف،ويستيقظون على بكاء الأمهات. 

إنه رسالة بأن أطفال غزة ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار،بل هم حنظلة الذي يرفض أن يكبر، ويرفض أن يموت،ويرفض أن ينسى.!

وفي زمن تتسارع فيه الذاكرة نحو النسيان، وتتلاشى فيه القضايا خلف فوهات المدافع وصخب السياسة،يقف حنظلة هناك،على تلك الصخور الأيرلندية،ثابتا كحجر،صامتا كبحر،عاريا كحقيقة.لم يأت ليُحدث ضجة،بل ليذكّر بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع على أرض، بل هي قصة طفل يرفض أن يكبر بعيدا عن بيته، وأم تنتظر عند نافذة لا تطل على شيء سوى الغياب،ووطن ينام في قلوب الملايين،ينتظر من يوقظه.

التمثال الذي شُيّد هناك ليس عملا فنيا فحسب،بل هو شهادة أن الإنسانية،حين تلتفت إلى نفسها،لا يمكنها أن تتجاهل أطفال غزة.إنه اعتراف بأن حنظلة لم يعد رمزا لفلسطين وحدها،بل صار رمزا لكل طفل حُرم من طفولته،لكل إنسان حُرم من وطنه،لكل روح تبحث عن مكان تحت الشمس تستظل به.

وربما،في زمن تهتز فيه اليقينيات،ويختلط فيه الحلم بالكابوس،يكون حنظلة هناك،على جزيرة إينيس أوير،يذكرنا بأن الكبر ليس تقدما في العمر، بل هو أن تعود إلى جذورك،وأن تنظر إلى العالم بعين لا تخشى المواجهة.

وحين يكبر حنظلة،سيكبر معه أملنا جميعا بأن العدلَ ممكن،وأن الحلمَ،مهما تطاول الزمن،لا يموت.

فيا أيها الطفل الصغير الذي وقفت هناك،على شاطئ الغرب،لا تكبر وحدك.نحن جميعاً ننتظر أن نكبر معك،حين يعود وطنك،وحين تعود أنت إلى وطنك،وحين تصبح فلسطين كلها حنظلة واحدا، يقف بظهره للماضي،ووجهه للمستقبل،ويداه معقودتان ليس على ألم،بل على أمل.

اليوم..

يقف حنظلة اليوم على صخور أيرلندا،لكن ظهره المُدار لا يزال نحو فلسطين.لم يأت ليرى البحر،بل ليجعل البحر يراه.وفي كل حجر من قاعدته همس من غزة،وفي كل موجة تصطدم بالجزيرة نبض من مخيم.

هذا الطفل الذي رفض الكبر لم يعد وحيدا،لأن العالم بدأ يلتفت،ليس إلى ظهره،بل إلى ما يدور في داخله.وحين يكبر حنظلة-يوما ما-فسيكون كبره انتصارا لكل طفل مات قبل أن يحلم،ولكل وطن ما زال ينتظر في عيون أبنائه أن يعودوا إليه.

أما اليوم،فلا يزال حنظلة طفلا..ولكن صمته بات أعلى من كل الأصوات.