أخبار

خطة ترامب ومجلس السلام لإعادة إعمار غزة تتقلص إلى "قرية محاصرة"

"بوتيمكين"..

خطة ترامب ومجلس السلام لإعادة إعمار غزة تتقلص إلى "قرية محاصرة"

لندن: من خطة إعمار شاملة إلى مشروع تجريبي صغير، قلّص مجلس السلام المرتبط بإدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رؤيته الطموحة لإعادة إعمار قطاع غزة بالكامل، إلى ما يُعرف بـ"قرية بوتيمكين" زائفة ومحاصرة.

وحتى المشروع التجريبي المُزمع تنفيذه ، والذي يتضمن مخيماً مؤقتاً لجزء ضئيل من مليوني نازح في غزة، مع إدارة فلسطينية وشرطة وقوة أمنية دولية صغيرة - من غير المتوقع أن يتبلور قبل نهاية العام.

ووفق تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن تقلص الخطة الشاملة إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب القطاع قرب رفح، يعكس واقعاً ميدانياً معقداً ومخاوف متزايدة من عودة التصعيد العسكري الإسرائيلي قبل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

وتهدف الخطة المعدلة، بحسب ما نقلت الصحيفة البريطانية عن دبلوماسيين غربيين في القدس، إلى "إبقاء شيء ما قائماً" وسط مخاوف من أن يقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على شن هجوم شامل جديد قبل الانتخابات.

ونقلت "الغارديان" عن أحد الدبلوماسيين أن الهدف هو فقط "إبقاء الأمور مستمرة، وإبقاء الكرة في اللعب"، مشيراً إلى أنه إذا توقفت "هناك آخرون لديهم أجندة أكثر تطرفاً ينتظرون فقط للقفز والاستيلاء على السلطة، وهم يتحدثون عن نقل السكان والاستعمار على نطاق واسع".

وأشار دبلوماسي في القدس إلى أن تحالف السلام لم يكن أمامه خيار سوى الاستفادة القصوى من التقدم المحدود للغاية، لأن الاعتراف بالفشل سيفتح الطريق أمام الفصائل المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية التي لديها خطط مختلفة جذرياً لغزة. وقال الدبلوماسي: "الهدف هو فقط إبقاء الأمور على حالها، والحفاظ على زخمها، لأنه إذا توقفنا، فسيكون هناك آخرون بأجندة أكثر تطرفاً ينتظرون الفرصة للاستيلاء على السلطة، وهم يتحدثون عن نقل سكاني شامل واستيطان".

New Gaza reconstruction plan

مشروع متواضع

وكانت الخطة الأصلية التي أطلقها غاريد كوشنر صهر ترامب في كانون الثاني/يناير الماضي، تتضمن إعادة بناء شاملة للبنية التحتية في غزة كلها خلال 100 يوم، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والمستشفيات.

إلا أن الجمود الذي استمر خمسة أشهر دفع الأطراف المعنية إلى التراجع عن هذا الطموح، والاكتفاء بمشروع تجريبي متواضع يشمل مخيماً مؤقتاً لعشرات الآلاف من النازحين فقط، يُدار بإدارة فلسطينية وشرطة محلية وقوة أمنية دولية صغيرة.

ولا يُتوقع أن يبدأ تنفيذ حتى المشروع التجريبي قبل نهاية العام الجاري، فصور الأقمار الصناعية تظهر أن الأعمال التحضيرية للمخيم قرب رفح لم تبدأ بعد، ولم تشيّد قاعدة الدعم الإسرائيلية، ولا يُرجح إحراز تقدم ملموس قبل الانتخابات الإسرائيلية، بحسب التقرير البريطاني.

ويحذّر محمد شهادة، الباحث الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، من أن المشروع قد يُستخدم لأغراض دعائية إسرائيلية، مشيراً إلى أن تل أبيب تحاول بشكل أساسي بناء "قرية بوتيمكين" زائفة محاصرة ومسيطر عليها، تضم عددًا ضئيلاً من السكان الرمزيين الذين سيتمتعون بظروف أفضل قليلاً من نظرائهم في غرب غزة.

جمود وتصعيد

يتزامن الجمود السياسي والدبلوماسي، مع استمرار إسرائيل في انتهاك وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث نفذت غارات متكررة أسفرت عن مقتل أكثر من 1100 فلسطيني، ووسّعت سيطرتها لتشمل أكثر من 60% من مساحة القطاع، مع إنشاء منطقة عازلة إضافية.

ويخشى مراقبون أن تؤدي أي عودة إلى حرب شاملة إلى نسف حتى المشروع التجريبي المتواضع، ففي محادثات القاهرة الأخيرة، ناقش الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي آليات نزع سلاح حماس والميليشيات الأخرى، إلا أن التقارير تشير إلى أن إحراز تقدم حقيقي غير مرجح في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية والتوغلات داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس.

ووفق ما نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية عن مصدر فلسطيني، فإنه "طالما أن إسرائيل لا تلتزم بالانسحاب التدريجي من قطاع غزة وتغيير الواقع هناك، فلا يوجد أساس للمحادثات".

من جهة أخرى، تعرّض نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة الذي عينه مجلس السلام، لانتقادات واسعة بعد تقريره إلى مجلس الأمن في مايو/ أيار الماضي، الذي ركز على مسؤولية حماس دون الإشارة المباشرة إلى الانتهاكات الإسرائيلية.

 وكشفت هيئة البث العبرية العامة "كان" عن رسالة سرية بعثها أرييه لايتستون، كبير مفاوضي إدارة ترامب في إسرائيل، إلى الحكومة الإسرائيلية في يونيو/ حزيران الماضي، طالب فيها بتخفيف القيود على المساعدات الإنسانية ذات الاستخدام المزدوج، ودخول قوات أمن إسرائيلية وشرطة فلسطينية إلى غزة، وهي طلبات لم توافق عليها الحكومة الإسرائيلية حتى الآن.

إدارة الكارثة

أما على الصعيد الفلسطيني، فقد أعرب وزير الخارجية في السلطة فارسين أغابيكيان عن قلقه من أن يتحول المشروع التجريبي إلى بديل عن الحل الشامل.

وقال: "لا يمكن إدارة الكارثة الإنسانية من خلال إجراءات مجزأة أو جزئية. وفي الوقت نفسه، يستحق كل جهد يُنقذ أرواح الفلسطينيين دراسة متأنية".

وتابع بحسب ما نقلت عنه الصحيفة البريطانية "لكن ما يقلقنا هو ألا تُصبح الترتيبات المؤقتة بديلاً عن حل شامل، أو أن تُستخدم لتطبيع واقع غير مقبول".

غموض التمويل

يظل تمويل المشروع غامضاً أيضاً، إذ لم يُصرف سوى القليل من الـ17 مليار دولار التي كانت مخصصة أصلاً للخطة الكاملة، فيما أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخراً عن جمع 883 مليون يورو لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية في غزة.

كما تجري مفاوضات لتحويل جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية المجمدة إلى تمويل المشروع، وهو ما أثار غضب السلطة الفلسطينية.

وبحسب مصادر مطلعة على اجتماعات قبرص الأخيرة، انقسمت اللجنة الوطنية الاستشارية حول قبول المشروع التجريبي، خشية أن يثير انقساماً داخل المجتمع الفلسطيني في غزة، ويضع غالبية السكان في مرتبة ثانوية.

ومنعت إسرائيل المجلس الوطني للتحالفات الحكومية، الذي يضم 13 مهنياً فلسطينياً، من دخول غزة منذ تشكيله مطلع العام.