أخبار

تقرير: تحول إقليمي جديد قد يعيد رسم موقع إسرائيل في الشرق الأوسط

تقرير: تحول إقليمي جديد قد يعيد رسم موقع إسرائيل في الشرق الأوسط

واشنطن: تشير تقديرات متزايدة إلى أن الحرب الأخيرة مع إيران دفعت عدداً من دول الخليج إلى إعادة تقييم مقاربتها للأمن الإقليمي، ليس عبر توسيع الشراكة مع إسرائيل كما كان متوقعاً، وإنما من خلال الانفتاح على ترتيبات أمنية واقتصادية تشمل إيران، بما قد يفضي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي بصورة تقلل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.

وبحسب مقال للباحث تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لصناعة الدولة المسؤولة، نشرته مجلة Foreign Policy في زاوية الرأي (Argument) بتاريخ 6 يوليو/تموز 2026، فإن الافتراض الذي ساد بعد توسع الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، والقائل إن استهداف دول خليجية سيدفعها إلى تعزيز تحالفها مع إسرائيل، لم يتحقق. ويرى الكاتب أن دول المنطقة خلصت إلى أن سياسة احتواء إيران لم تؤد إلى تعزيز الاستقرار، بل أسهمت في اندلاع مواجهة كشفت حدود الردع الأمريكي وهشاشة الضمانات الأمنية التقليدية.

ويشير التقرير إلى أن قطر والسعودية تقودان مساراً جديداً يقوم على دمج إيران في إطار أمني إقليمي مصحوب بتعاون اقتصادي.

وينقل عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني حديثه عن العمل على إنشاء إطار أمني إقليمي مع إيران، فيما تستعد السعودية لاستضافة محادثات تجمع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران لبحث ميثاق عدم اعتداء، وأمن الملاحة البحرية، وإجراءات بناء الثقة، على غرار تجربة هلسنكي الأوروبية، بهدف إنشاء بنية أمنية إقليمية تعتمد بصورة أكبر على التعاون بين دول المنطقة وأقل على الضمانات العسكرية الأمريكية.

ويرى بارسي أن هذه التطورات تضعف الحجة الأمريكية التقليدية التي تربط استقرار الشرق الأوسط باستمرار التفوق العسكري الأمريكي، معتبراً أن دول المنطقة أصبحت أكثر استعداداً لتحمل مسؤولية أمنها بنفسها.

كما يذهب إلى أن أي اتفاق أمريكي-إيراني دائم يرفع العقوبات عن طهران ويدعم إعادة دمجها إقليمياً سيؤدي إلى تراجع المبررات الاستراتيجية لبقاء القوات الأمريكية في المنطقة، وربما يسرّع انتقال مسؤوليات الأمن الإقليمي إلى القوى المحلية.

وفي المقابل، يحذر الكاتب من أن النظام الإقليمي الجديد قد يتحول إلى ما يشبه “تحالفاً مضاداً لاتفاقيات أبراهام” إذا اقتصر على دمج إيران دون إشراك إسرائيل في ترتيبات أمنية شاملة، الأمر الذي قد يدفع الأخيرة نحو مزيد من العزلة الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التراجع المتزايد في صورتها الدولية منذ اندلاع الحروب الأخيرة.

ويستحضر في هذا السياق مرحلة ما قبل اتفاقيات أوسلو، حين كانت إسرائيل تعاني عزلة واسعة خارج الدول الغربية قبل أن توسع علاقاتها الدبلوماسية على أساس توقعات بإقامة دولة فلسطينية.

ويقترح بارسي مساراً مزدوجاً يقوم على بناء منظومة أمن إقليمي شاملة بالتوازي مع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

ويستند في ذلك إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ES-10/24 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، داعياً إلى إنشاء منظمة إقليمية دائمة لإدارة الأمن والدبلوماسية في الشرق الأوسط، تستند إلى مبادئ الأمن الجماعي، وعدم التدخل، ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضمان أمن متكافئ لجميع دول المنطقة.

وبحسب رؤية الكاتب، ينبغي ألا تُستبعد إسرائيل من هذه المنظومة، وإنما يسمح لها بالانضمام إليها بعد تنفيذ التزامات واضحة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود عام 1967.

ويرى أن اندماج إسرائيل في نظام أمني إقليمي واسع، يشمل أيضاً موافقة إيران، قد يوفر لها مكاسب استراتيجية تتجاوز ما وعدت به اتفاقيات أبراهام، لكنه يشدد على أن هذا الاندماج يجب أن يكون مرتبطاً بقيام الدولة الفلسطينية بصورة فعلية، وليس بمجرد وعود أو مسارات سياسية مفتوحة.

ويخلص بارسي إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً، يعالج في الوقت نفسه مصدرين رئيسيين لعدم الاستقرار، هما استبعاد إيران واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

ويرى أن الدور الأمريكي الأمثل يتمثل في دعم هذا التحول وترك دول المنطقة تتولى مسؤولية أمنها، بدلاً من محاولة قيادة النظام الجديد أو الهيمنة عليه.