هندسة "البديل المصطنع": استراتيجيات الاحتواء وتفكيك المعارضة الإيرانية
في ظل حالة السيولة السياسية التي تعيشها إيران على وقع الاحتجاجات المستمرة، يبرز تساؤل جوهري حول آليات الصراع بين السلطة ومكونات المعارضة. وبينما يرفع الشارع الإيراني شعارات تطالب بقطيعة جذرية مع الماضي والحاضر الاستبدادي، تبرز محاولات دؤوبة لإعادة تدوير شخصية رضا بهلوي في المشهد السياسي. هذا التحليل لا يبحث في طبيعة الطموحات الفردية، بل يفكك البنية الاستراتيجية لعملية "التضخيم السياسي" وكيف توظفها أجهزة النظام كأداة استخباراتية لاحتواء الغضب الشعبي وضرب مصداقية قوى التغيير الحقيقية.
حرب المعلومات: هندسة القبول الشعبي
تشير التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية إلى وجود عمليات سيبرانية منظمة تهدف إلى خلق واقع افتراضي لا يعكس بالضرورة التوازنات على الأرض. فقد كشف تقرير مجموعة "ثريدستون 71" في يناير 2026 عن نمط من العمليات التي توظف حسابات تظهر بمظهر "المعارضة الراديكالية" أو "البهلوية"، ليتبين أنها تدار من داخل مراكز نفوذ في طهران. إن الهدف الاستراتيجي من هذه العمليات ليس الترويج لعودة البهلوية بقدر ما هو صناعة استقطاب حاد، ونشر "ضجيج رقمي" يشتت جهود المعارضة المنظمة، وعلى رأسها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، عبر إشغالها بمعارك جانبية تعيد إنتاج صراعات الماضي بدلاً من التركيز على تحديات الحاضر.
مفارقة الاستقواء بالخارج: بين التكتيك والعبث السياسي
تتبنى السردية التي تروج لـ رضا بهلوي مقاربة تعتمد على فكرة "التغيير المدعوم خارجياً"، وهو طرح يخدم في جوهره الأجندة الأمنية للنظام الإيراني. إن ربط مصير التغيير السياسي بالتدخلات الخارجية أو الضربات العسكرية يمنح النظام ذريعة أخلاقية وقانونية لتخوين المحتجين وقمعهم تحت طائلة "التآمر مع الأجنبي". هذا المسار، بحسب تحليل مجلة "تايم" في يناير 2026، يوفر للنظام أفضل أداة ممكنة لإحباط المعارضة؛ إذ يسمح له بالانتقال من موقف المدافع عن سياساته الفاشلة إلى موقف "المدافع عن السيادة الوطنية" ضد قوى تعتبرها الدعاية الرسمية "طابوراً خامساً".
التوافق الضمني: مصلحة مشتركة في حرف المسار
لا يقتصر التوظيف على الجانب الدعائي، بل يمتد إلى مستوى الاستراتيجية الأمنية. فقد صرحت شخصيات محسوبة على أروقة صنع القرار في طهران، مثل حسين دهباشي، بأن تكريس شخصية بهلوية كواجهة للمعارضة يُعد نجاحاً أمنياً بامتياز. هذا التوافق غير المعلن بين "المعارضة البهلوية" والمنظومة الأمنية للنظام يخلق نوعاً من تبادل المنفعة غير المقصود: النظام يحتاج إلى "عدو" يمكن السيطرة عليه وتصنيفه كـ "منبوذ" في نظر الشعب، والطرف المروج لـ رضا بهلوي يجد في التغطية الإعلامية للنظام وسيلة لضمان حضوره في المشهد، على حساب القوى التي تمتلك مشروعاً هيكلياً للتغيير.
استنزاف طاقة المعارضة كأداة لتمكين النظام
إن التركيز على شخصية لا تمتلك برنامجاً وطنياً جامعاً، وتعتمد في خطابها على إرث دكتاتوري سابق، يمثل عائقاً استراتيجياً أمام تبلور جبهة تغيير وطنية موحدة. إن هذه السياسة تؤدي إلى استنزاف طاقة النشطاء في صراعات أيديولوجية عقيمة، مما يسمح للنظام بالاستفراد بالقوى الأكثر تنظيماً وتأثيراً في الميدان. لقد أثبتت التجربة الميدانية خلال انتفاضات 2022، وما تبعها من موجات قمع في 2026، أن كل محاولة لفرض قيادة خارجية لا تتقاطع مع نبض الشارع، تمنح النظام فرصاً ذهبية لتصفية الكوادر الحقيقية التي تؤمن بالتغيير الجذري النابع من الداخل.
الخاتمة: نحو تجاوز السراب السياسي
إن استمرار الترويج لنموذج رضا بهلوي لا يمثل في جوهره مشروعاً ديمقراطياً، بل هو مشروع أمني بامتياز يهدف إلى تكريس الانقسام. إن المستقبل السياسي لإيران، وفقاً للمعطيات الميدانية، يتجاوز هذه "الخيارات المستوردة". إن قوة النظام الحقيقية لا تكمن في متانته الأمنية فحسب، بل في نجاحه في هندسة بدائل هشة تقنع الخارج بالاستمرار في نهج الاحتواء، وتقنع الداخل بأن التغيير مستحيل، مما يجعل من كشف هذا "السراب السياسي" ضرورة ملحة لاستعادة بوصلة الانتفاضة نحو أهدافها الوطنية الصرفة.