آراء مختارة

فَكّ شفرة التصعيد في الشرق الأوسط

فَكّ شفرة التصعيد في الشرق الأوسط

إذا أردت أن تعرف إلى أين يتجه التصعيد فى الشرق الأوسط، وإلى أين تمضى المواجهة الأمريكية - الإيرانية، وهل نحن أمام جولة جديدة من الحرب، أم أمام فرصة لعودة الدبلوماسية؟، فأنصحك أولاً بأن تضع جانباً تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وأن تتوقف عن اللهاث وراء سيل الأخبار العاجلة والبيانات الرسمية. فهذه التصريحات، مهما بدت مثيرة، أصبحت إحدى أدوات إدارة الصراع، أكثر من كونها مؤشراً على اتجاهه الحقيقى.

بدلاً من ذلك، افرد خريطة الشرق الأوسط أمامك. راقب مواقع انتشار القوات الأمريكية وحجمها، وعدد حاملات الطائرات، وحركة القطع البحرية فى الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر. وأضف إلى حساباتك أن ما يجرى لم يعد مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل صراع تتداخل فيه حسابات موسكو وبكين، كما تتزايد فيه مؤشرات انخراط أوروبى أوسع، تقوده لندن، بما يعيد رسم موازين القوة فى الإقليم.

ولا تُعلّق آمالاً كبيرة على اللقاء التاسع بين ترامب وبنيامين نتنياهو فى البيت الأبيض، فمثل هذه اللقاءات، مهما بلغت أهميتها، لن تكون وحدها صاحبة القرار فى تحديد مسار المرحلة المقبلة، لأن القرار الحقيقى تصنعه موازين القوة على الأرض، لا عدسات المصورين داخل المكتب البيضاوى.

أما طهران، فقد تعمّدت تأجيل الحديث عنها فى البداية، لأن قراءة سلوكها لم تعد ممكنة من خلال التصريحات الرسمية وحدها. فالحرب دفعت مراكز القرار الإيرانية إلى إعادة توزيع الأدوار بين مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية، وأصبح النفوذ الفعلى موزعاً بين دوائر متعددة، يتقدّمها الحرس الثورى، الذى يتحرك اليوم تحت ضغط هدفين متلازمين: الحفاظ على بقاء النظام، والسعى إلى استعادة الردع الذى تآكل خلال الأشهر الماضية. وهو ما جعل عملية صنع القرار أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتنبؤ.

إذا قرأت الحرب بهذه الطريقة، ستكتشف أن السؤال الحقيقى لم يعد: ماذا قال ترامب؟ ولا بمَ ردّت إيران؟ بل: كيف تغيّرت أهداف الحرب نفسها؟ وكيف أصبحت الوقائع العسكرية هى التى تعيد صياغة الأهداف السياسية، لا العكس؟

ولعل المقولة الشهيرة القائلة إن «الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى» تبدو اليوم أكثر حضوراً من أى وقت مضى. لكن الشرق الأوسط اليوم يعكس المعادلة، فالسياسة لم تعد وحدها من يقود الحرب، بل أصبحت الحرب هى التى تعيد تشكيل السياسة، وتفرض على العواصم الكبرى أولويات لم تكن مطروحة عندما انطلقت شرارة المواجهة. لهذا، فإن قراءة ما يجرى من خلال تصريحات السياسيين وحدها تقود إلى استنتاجات مضللة. أما قراءة الخرائط العسكرية، وحركة القوات، وإيقاع العمليات، فهى تكشف أن أهداف الحرب نفسها لم تعد كما كانت فى بدايتها.

دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب وهى تتحدّث عن تحييد المشروع النووى الإيرانى، ثم ارتفع سقف الخطاب إلى الحديث عن إضعاف النظام وتقويض قدراته. لكن مع اتساع رقعة المواجهة، فرضت الجغرافيا أولويات جديدة، وأصبح مضيق هرمز، بكل ما يمثله من أهمية للتجارة العالمية وأمن الطاقة، مركز الثقل الحقيقى فى الصراع. وهنا تغير السؤال داخل غرف صنع القرار فى واشنطن: لم يعد كيف نُسقط النظام؟ بل كيف نمنع إيران من امتلاك القدرة على تهديد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمى، وكيف نعيدها إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية.

من هنا يمكن فهم التناقض الظاهرى بين استمرار الضربات العسكرية، وكثافة الاتصالات الدبلوماسية. فالحرب لم تعد نقيضاً للتفاوض، بل أصبحت وسيلته. وكل ضربة تحمل رسالة سياسية، كما أن كل مبادرة دبلوماسية تستند إلى ميزان القوة الذى تصنعه العمليات العسكرية على الأرض. وفى هذا السياق، يكتسب تحليل نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» لمحللها العسكرى أهمية خاصة، وجاء عنوانه مباشراً نحو الهدف: «المواجهة الأمريكية - الإيرانية.. سيناريوهات التصعيد». وأشار التحليل إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على دفع إيران تدريجياً إلى ما يُعرف فى الأدبيات العسكرية بـ«عتبة الألم»، أى المرحلة التى تصبح فيها كلفة الاستمرار فى المواجهة أعلى من كلفة تقديم التنازلات. غير أن الوصول إلى هذه المرحلة ليس بالأمر السهل، لأن إيران اليوم تختلف كثيراً عن إيران عام 1988، عندما قبلت وقف الحرب مع العراق بعد أن وصف آية الله الخمينى القرار بأنه «تجرّع لكأس السم». فالنظام الحالى ينظر إلى الصمود بوصفه جزءاً من شرعيته السياسية، لا مجرد خيار عسكرى، وهو ما يرفع سقف احتماله للضغوط ويطيل أمد المواجهة.

فى المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة فى وضع يسمح لها بحسم سريع. فكل يوم إضافى للحرب يرفع كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويجعلها مطالبة بالموازنة بين الردع، وعدم الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة. كما أن هذه المواجهة لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران، بل باتت جزءاً من تنافس دولى أوسع، تراقبه موسكو وبكين عن كثب، وتتعاملان معه باعتباره حلقة فى إعادة تشكيل النظام الدولى، بينما تزداد مساهمة الحلفاء الأوروبيين فى تأمين المصالح الغربية فى المنطقة.

ولذلك، فإن من ينتظر ضربة أخيرة تحسم الحرب، أو اتفاقاً سياسياً يُنهى الأزمة فجأة، يقرأ المشهد بعين حروب الماضى. أما هذه الحرب، فهى تُدار على إيقاع مختلف، جولات من التصعيد يعقبها تفاوض، ثم تعود الضغوط العسكرية لتحسين الشروط، فتعود الوساطات من جديد. إنها حرب طويلة لإدارة موازين القوى، أكثر منها حرباً لتحقيق انتصار كامل.

كان المؤرخ العسكرى البريطانى ليدل هارت يرى أن «الغاية الكبرى للاستراتيجية ليست تدمير الخصم»، بل الوصول إلى وضع سياسى أفضل بعد انتهاء الحرب. وإذا طبّقنا هذه القاعدة على المشهد الراهن، فإن السؤال لم يعد: مَن سينتصر عسكرياً؟ بل: من سيتمكن من الخروج من هذه الحرب بوضع سياسى واستراتيجى أفضل مما كان عليه قبل اندلاعها؟

لهذا، فإن أخطر ما فى المواجهة الأمريكية - الإيرانية ليس حجم النيران المتبادلة، ولا كثافة التصريحات، بل إن الحرب نفسها أخذت تعيد تعريف أهدافها مع كل مرحلة. لقد بدأت الحرب بأهداف، لكنها ستنتهى -على الأرجح- بأهداف أخرى فرضها الواقع العسكرى، لا الخيال السياسى.

وعندما يكتب المؤرخون قصة هذه الحرب بعد سنوات، فلن يكون السؤال الذى يشغلهم عدد الصواريخ التى أُطلقت، ولا عدد البيانات التى صدرت، وإنما اللحظة التى أدركت فيها الأطراف المتصارعة أن أهدافها الأولى لم تعد قابلة للتحقيق، وأن عليها البحث عن أهداف جديدة تحفظ التوازن، وتمنح كل طرف فرصة إعلان النصر، حتى إن خرج الجميع مثقلين بأثمان الحرب.