مقالات

الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال

الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال

بقلم: منير السباح

لم تكن الدبكة الفلسطينية يوماً مجرد حركات إيقاعية تُؤدى في المناسبات، بل هي سردية تاريخية حية تختزل حكاية شعب وتجذره في أرضه. تشكل هذه الرقصة الجماعية ركناً أساسياً من أركان الهوية الثقافية، وجسراً يربط الماضي الكنعاني العريق بالواقع المعاصر، متجاوزةً حدود الفلكلور لتصبح رمزاً للصمود والتلاحم الإنساني.تضرب الدبكة بجذورها في عمق التاريخ، وتتداخل في نشأتها روايتان تكمل إحداهما الأخرى لتمنحا الرقصة أبعادها الحضارية والاجتماعية. ترجع الأصول الأولى إلى أكثر من ألفي عام، حيث نمت كطقوس حركية مارسها الكنعانيون الأوائل احتفاءً بمواسم الخصوبة وشكراً لآلهة الأرض والزراعة، واستسقاءً للأمطار التي تحيي الزرع. أما في التاريخ الريفي الحديث، فقد ارتبطت الرقصة بنظام التكافل الاجتماعي المعروف بـ "العونة". عندما كان الأهالي يجتمعون لترميم أسطح البيوت المصنوعة من الطين والقش قبل موسم الشتاء، كانوا يصطفون متشابكي الأيدي ويضربون الأرض بأرجلهم بقوة لضغط الطين ومنع تشققه. ومع الوقت، تحول هذا العمل الجماعي الشاق، بمصاحبة الأهازيج، إلى رقصة شعبية بامتياز.وتحمل كل حركة في الدبكة دلالة رمزية تعكس قيم المجتمع ونظرته للحياة والحرية؛ فتصاحب الأيدي والأكتاف المتشابكة تجسيداً للوحدة والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الأزمات، بينما يعبر ضرب الأرض بالأقدام أو ما يُعرف بـ "الهدة" عن التمسك المطلق بالتراب ورفض الاقتلاع. ويبرز في هذه الحلقة قائد السيرة أو "اللوّيح"، وهو رمز للقيادة وإدارة الجماعة، حيث يقع على عاتقه ضبط الإيقاع وبث الحماسة في صفوف الدبيكة من خلال حركاته الارتجالية الماهرة، مستنداً إلى نغمات آلات نفخية تصنع محلياً مثل "اليرغول" و"المجوز" و"الشبابة"، بمصاحبة "الطبل" الذي يحاكي صوت الطبيعة في الريف.تتعدد أصناف الدبكة وتختلف وتيرتها تبعاً للمناطق والمناسبات؛ وتأتي "دبكة الدلعونا" كأكثر الأنواع انتشاراً وألفة بإيقاعها المتوسط الذي يتيح لجميع الأعمار من رجال ونساء المشاركة فيها. وفي المقابل، تمتاز "الدبكة الشمالية" بقوتها وإيقاعها السريع الذي يبدأ هادئاً ثم يتصاعد بتوجيه من اللوّيح متطلباً لياقة بدنية عالية. وتعد "دبكة الطيارة" أسرع الأنواع على الإطلاق، حيث تعتمد على خفة حركية فائقة وقفزات متتالية تجعل الراقصين يبدون وكأنهم يحلّقون في الهواء. وهناك أيضاً "دبكة ظريف الطول" التي تركز على مدح الصفات الحميدة والتغني بجمال ابن الوطن وبطولته، فضلاً عن "دبكة الشعراوية" و"دبكة الواحد ونص" اللتين تعتمدان على مهارة دقيقة في تنسيق الأرجل والتوافق مع ضربات الإيقاع.يتكامل هذا التنوع الفني مع أبعاد العرض البصري والتناغم الحركي بين الجنسين؛ فبينما تتسم دبكة الرجال بالقوة والصلابة والقفز العالي تعبيراً عن الفروسية والجلد، تبرز دبكة النساء بمرونتها وخفتها وحركاتها الإيقاعية الناعمة التي تضفي لمسة جمالية على العرض. ويكتمل هذا المشهد بالزي التقليدي، إذ يرتدي الرجال "القمباز" أو السروال الفضفاض مع "الحطة والعقال" على الرأس والمشد على الخصر، في حين تزدان النساء بـ "الثوب المطرز" بخيوطه الحريرية التي تروي نقوشها حكاية القرى والمدن المختلفة.لقد مرت الدبكة بمراحل تطور مفصلية نقلتها من العفوية الريفية إلى المنصات العالمية؛ فقبل عام 1948 كانت ممارسة عفوية تقتصر على الأعراس ومواسم الحصاد في القرى، لكنها تحولت بعد النكبة إلى أداة للمقاومة الثقافية وصون الذاكرة الجمعية ضد محاولات الطمس والاندثار، وصارت كلماتها تحمل الحنين للديار المهجرة. ومع حلول الثمانينيات، بدأت مرحلة المأسسة بتأسيس فرق فنية محترفة عملت على أرشفة الحركات وتطوير عروض مسرحية منظمة تُعرض على خشبات المسارح الدولية بأسلوب أكاديمي، وهو ما تُوج في النهاية بإدراج منظمة اليونسكو "الدبكة الفلسطينية" رسمياً على لائحة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، مما منحها حصانة دولية واعترافاً عالمياً بأصالتها التاريخية باعتبارها إرثاً إنسانياً حياً.إن الدبكة الفلسطينية ليست مجرد رقصة، بل هي إعلان متجدد عن البقاء، فكل ضربة قدم على الأرض هي تأكيد على أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن الهوية الحية قادرة على التطور والوصول إلى العالم مع الحفاظ على أصالة المنبت.