الهيئة القيادية أم مكتب التعبئة والتنظيم؟... آن الأوان لحسم سؤال البناء التنظيمي في المحافظات الجنوبية
بقلم: سامي إبراهيم فودة
ليست عظمة التنظيم في كثرة هياكله، وإنما في وضوح رؤيته، وتكامل أدواره، وقدرته على صناعة الإنجاز. فالمؤسسات التنظيمية لا تُبنى لتتراكم فوق بعضها بعضاً، وإنما لتؤدي رسالة واضحة ومحددة، تجعل من القرار أكثر فاعلية، ومن الأداء أكثر كفاءة، ومن القواعد التنظيمية أكثر حضوراً وثقة وانتماء.
واليوم، وبعد تكليف الأخ القائد أبو ماهر حلس مفوضاً عاماً للتعبئة والتنظيم في المحافظات الجنوبية، فإننا لا نقف أمام استحقاق تشكيل مكتب جديد فحسب، بل نقف أمام استحقاق أكبر يتمثل في الإجابة عن سؤال تنظيمي بالغ الأهمية: أيُّ بناءٍ تنظيميٍّ نريد لحركة فتح في المحافظات الجنوبية خلال المرحلة المقبلة؟
وهل نحن أمام مرحلة تقتضي الإبقاء على الهيئة القيادية العليا إلى جانب مكتب التعبئة والتنظيم؟ أم أن متطلبات المرحلة تدفع باتجاه الاكتفاء بمكتب تعبئة وتنظيم يمتلك الصلاحيات الكاملة، والكفاءات اللازمة، والرؤية القادرة على قيادة المشروع التنظيمي في قطاع غزة؟
إن طرح هذا السؤال لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من الهيئة القيادية العليا أو من تجربتها وقياداتها، فالهيئة جاءت استجابة لظروف سياسية وتنظيمية استثنائية عاشتها المحافظات الجنوبية خلال سنوات الانقسام والحصار والحروب المتعاقبة، وحملت على عاتقها مسؤوليات جساماً في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الحركة.
ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ تجربتها في سياقها التاريخي والتنظيمي، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو محاولات اختزالها بالنجاح المطلق أو الإخفاق المطلق، فلكل مرحلة أدواتها ومتطلباتها واستحقاقاتها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت المرحلة ذاتها قائمة؟ أم أننا أمام مرحلة جديدة تتطلب أدوات تنظيمية مختلفة؟
فالهيئة القيادية العليا بطبيعتها التنظيمية تمثل إطاراً قيادياً أعلى، يُعنى برسم السياسات العامة، ومتابعة الملفات التنظيمية والسياسية والجماهيرية المختلفة، أما مكتب التعبئة والتنظيم فهو بطبيعته الذراع التنفيذية والتنظيمية المباشرة للعمل الحركي، والمسؤول عن متابعة الأقاليم والمناطق والشعب التنظيمية والمكاتب الحركية، وتحويل الرؤى والقرارات إلى برامج عمل ميدانية قابلة للإنجاز.
وبعبارة أخرى، فإن الهيئة القيادية تُعنى بقيادة المشهد العام، بينما يُعنى مكتب التعبئة والتنظيم بإدارة تفاصيل العمل التنظيمي اليومي ومتابعته وتقويمه.
ومن هنا فإن الجمع بين الإطارين التنظيميين يتطلب وضوحاً شديداً في تحديد الصلاحيات والاختصاصات وآليات العمل، حتى لا يتحول الأمر إلى ازدواجية في المسؤوليات أو تداخل في الصلاحيات أو إبطاء في صناعة القرار التنظيمي.
أما إذا كانت رؤية القيادة تتجه نحو مرحلة تنظيمية جديدة، فإن الاكتفاء بمكتب تعبئة وتنظيم قوي وفاعل قد يكون أحد الخيارات التنظيمية الجديرة بالنقاش، شريطة ألا يتحول هذا المكتب إلى مجرد هيئة قيادية مصغرة بمسمى جديد.
إن ما نحتاجه ليس تغيير المسميات، وإنما تغيير الفلسفة التنظيمية ذاتها.
فنحن بحاجة إلى مكتب تعبئة وتنظيم يُبنى على أساس الكفاءة لا العلاقات، وعلى الإنجاز لا المجاملة، وعلى القبول التنظيمي لا المحاصصة، وعلى العمل الميداني لا الحضور البروتوكولي.
مكتب يجمع بين الخبرة والتجديد، ويمنح الشباب دورهم الطبيعي في صناعة القرار التنظيمي، ويعيد الاعتبار للمرأة الفتحاوية بوصفها شريكاً أصيلاً في مسيرة الحركة، ويستفيد من الخبرات الوطنية والتنظيمية لأعضاء المجلس الثوري الموجودين في قطاع غزة، ويشرك أمناء سر الأقاليم باعتبارهم الأكثر التصاقاً بالقواعد التنظيمية، وينفتح على المؤسسات المجتمعية والقطاع الخاص، ويؤسس لمنظومة إعلامية حركية حديثة تمتلك القدرة على مخاطبة أبناء الحركة والمجتمع بلغة العصر وأدواته.
إن المرحلة المقبلة ليست بحاجة إلى المزيد من الهياكل التنظيمية بقدر حاجتها إلى المزيد من الفاعلية والمرونة وسرعة الإنجاز.
لقد دفعت حركة فتح في المحافظات الجنوبية أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية، وقدمت من أبنائها الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين ما يجعلها تستحق اليوم مشروعاً تنظيمياً جديداً يليق بتاريخها وتضحياتها.
وما تحتاجه الحركة اليوم ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما صناعة المستقبل.
إن أبناء فتح لا ينتظرون تغييراً في الأسماء بقدر ما ينتظرون تغييراً يشعرون به في الأداء، وفي حضور القيادة بينهم، وفي قدرتها على الاستماع إليهم، وحل قضاياهم، وإشراكهم في صناعة القرار التنظيمي.
فالثقة لا تُستعاد بالقرارات وحدها، وإنما تُبنى بالتراكم اليومي للعمل الصادق والمخلص والفاعل.
كلمة أخيرة إلى أخي القائد أبو ماهر حلس..
إن نجاحكم الحقيقي لن يُقاس بعدد أعضاء المكتب القادم، وإنما بما ستنجزونه من تحول تنظيمي يشعر به أبناء الحركة في كل إقليم ومنطقة وشعبة تنظيمية.
فالقيادات الكبيرة لا تُخلَّد بكثرة المواقع التي شغلتها، وإنما بما أحدثته من تحولات إيجابية في حياة مؤسساتها وأبنائها.
وكلنا ثقة بأن المرحلة المقبلة قادرة على أن تكون بداية حقيقية لاستعادة روح المبادرة والتنظيم والعمل المؤسسي داخل الحركة.
أما سؤال: الهيئة القيادية أم مكتب التعبئة والتنظيم؟ فليس سؤالاً عن الأشخاص ولا عن المواقع، وإنما هو سؤال عن الشكل التنظيمي الأكثر قدرة على خدمة حركة فتح وأبنائها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.
فحركة فتح كانت وستبقى أكبر من الأشخاص، وأعظم من المواقع، لأنها مدرسة وطنية متجددة، لا تتوقف عند مرحلة، ولا تتردد في مراجعة أدواتها كلما اقتضت مصلحة الحركة والوطن ذلك.