دبلوماسية حسام حسن الرياضية تنتصر للقضية الفلسطينية
ليست كل المواقف الكبرى تصدر من قاعات السياسة ولا كل الرسائل المؤثرة تخرج من أروقة الدبلوماسية الرسمية ففي أحيان كثيرة يصبح الملعب منصة للضمير الإنساني وتتحول الكلمة الصادقة إلى وثيقة أخلاقية تتجاوز حدود الجغرافيا والرايات وهذا ما فعله حسام حسن حين اختار أن يتحدث عن فلسطين لا بوصفها ملفا سياسيا معقدا بل باعتبارها قضية إنسانية تختبر ما تبقى من ضمير العالم
لقد جاءت تصريحاته في زمن باتت فيه اللغة السياسية أسيرة الحسابات والمصالح بينما أصبحت كثير من المواقف الدولية تتعامل مع دماء الفلسطينيين بمنطق الأرقام لا بمنطق الإنسان ولذلك اكتسب حديثه قيمة استثنائية لأنه أعاد تعريف وظيفة الرياضي باعتباره صاحب رسالة وليس مجرد مدرب يبحث عن الفوز في مباراة أو بطولة
حين قال إن الإنسان الذي لا يشعر بما يجري في فلسطين ليس إنسانا فإنه لم يكن يطلق حكما انفعاليا بقدر ما كان يعيد الاعتبار إلى الفلسفة الأخلاقية التي تجعل التعاطف مع المظلوم أساسا لكرامة البشر فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع على الأرض وإنما أصبحت مرآة تكشف حجم التناقض بين الشعارات الغربية التي تتحدث عن حقوق الإنسان وبين الواقع الذي يسمح باستمرار قتل المدنيين وتجويع الأطفال وتدمير المدن أمام أنظار العالم
إن ما قاله حسام حسن يمثل نموذجا لما يمكن تسميته بالدبلوماسية الرياضية وهي القوة الناعمة التي تمتلك قدرة على اختراق الجدران التي تعجز عنها البيانات الرسمية فالرياضة لم تعد مجرد منافسة على الألقاب وإنما أصبحت مجالا للتأثير في الرأي العام العالمي وصناعة الوعي الإنساني ولذلك فإن رفع العلم الفلسطيني أو الدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة لم يعد موقفا عاطفيا بل أصبح ممارسة أخلاقية تنتمي إلى منظومة القيم الكونية التي ترفض الظلم والتمييز
لقد أدرك المدرب المصري أن الجماهير التي تتابع كرة القدم بالملايين تستطيع أن تستمع إلى رسالة إنسانية صادقة أكثر مما تستمع إلى خطابات السياسيين ولهذا جاءت كلماته خالية من الحسابات الدبلوماسية التقليدية ومشحونة بصدق إنساني جعلها تصل إلى قلوب الناس قبل عقولهم
وفي الحقيقة فإن أخطر ما تعانيه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط آلة الحرب وإنما محاولات تطبيع المأساة وتحويل مشاهد القتل اليومي إلى أخبار عابرة وهنا جاءت تصريحات حسام حسن لتكسر هذا الاعتياد الخطير وتعيد تذكير العالم بأن آلاف الأطفال الذين استشهدوا ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار وإنما أرواح لها أسماء وأحلام وعائلات وأن آلاف الشهداء الذين ارتقوا تحت الأنقاض هم ضحايا نظام دولي فقد كثيرا من توازنه الأخلاقي
لقد لامس حسام حسن جوهر الأزمة عندما قارن بين سرعة التعاطف العالمي مع أي حادثة تصيب الحيوانات في بعض الدول وبين الصمت أمام المجازر التي تطال المدنيين في فلسطين وهي مقارنة لا تستهدف التقليل من قيمة الرفق بالحيوان وإنما تكشف اختلال سلم الأولويات في الخطاب الدولي الذي أصبح يتعامل بازدواجية واضحة مع حقوق الإنسان وفقا للهوية السياسية للضحية
إن قيمة هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها بل أيضا في توقيتها فحين يتردد كثيرون في إعلان مواقفهم خوفا من حملات التشويه أو الضغوط السياسية يخرج صوت رياضي عربي معروف ليقول إن الحق لا يحتاج إلى إذن وإن الدفاع عن الأطفال والنساء ليس اصطفافا سياسيا وإنما واجب إنساني وأخلاقي
لقد أثبتت التجربة أن القوة الناعمة كثيرا ما كانت أكثر تأثيرا من أدوات السياسة التقليدية فكم من كلمة صادقة غيرت وعيا وكم من موقف شجاع حرك رأيا عاما وكم من شخصية رياضية أو ثقافية نجحت في كسر جدار الصمت الذي عجزت عن اختراقه المؤتمرات الدولية ولهذا فإن تصريحات حسام حسن ينبغي أن تقرأ باعتبارها مساهمة في معركة الرواية التي يخوضها الفلسطينيون من أجل تثبيت الحقيقة في مواجهة محاولات التضليل الإعلامي
إن فلسطين لا تحتاج إلى من يختلق لها المبررات بقدر ما تحتاج إلى من يمتلك شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها فالاحتلال احتلال والقتل قتل وتجويع المدنيين جريمة واستهداف الأطفال وصمة عار في جبين الإنسانية وأي خطاب يساوي بين الضحية والجلاد إنما يشارك في إخفاء الحقيقة لا في كشفها
ولعل الرسالة الأهم التي حملتها كلمات حسام حسن هي دعوته الرياضيين والإعلاميين في مختلف دول العالم إلى استخدام مواقعهم للدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة فهذه الدعوة تؤكد أن المسؤولية الأخلاقية لم تعد حكرا على السياسيين وإنما أصبحت واجبا على كل صاحب تأثير في الرأي العام لأن الصمت في لحظات المذابح يتحول إلى شراكة معنوية مع الظلم حتى وإن لم يقصد صاحبه ذلك
إن التاريخ لا يحفظ فقط أسماء القادة الذين خاضوا الحروب بل يحفظ أيضا أسماء الذين امتلكوا شجاعة الكلمة في زمن الخوف ولذلك فإن موقف حسام حسن يضيف صفحة مشرقة إلى سجل الدبلوماسية الرياضية العربية التي انتصرت للحق الفلسطيني ولدماء الشهداء ولحق الأطفال في الحياة ولحق شعب كامل في الحرية والكرامة وهي رسالة تؤكد أن الملاعب تستطيع أحيانا أن تكون أكثر عدلا من كثير من المنابر السياسية وأن الضمير حين يتكلم بصدق يصبح أقوى من كل حسابات القوة والمصلحة.