أخبار

حرب إيران تعيد رسم خرائط التجارة: الممر الأوسط يتحول إلى البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز

حرب إيران تعيد رسم خرائط التجارة: الممر الأوسط يتحول إلى البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز

واشنطن: أعادت الحرب على إيران وما رافقها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز إحياء أهمية “الممر الأوسط” الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين والقوقاز وتركيا، بعدما كان يُنظر إليه لسنوات بوصفه مشروعًا جيوسياسيًا أكثر منه ممرًا تجاريًا رئيسيًا.

وبحسب تقرير نشرته مجلة The National Interest للكاتبة إبرو أكغون، فإن الضربة الأمريكية-الإسرائيلية لإيران في 28 فبراير/شباط 2026 وما أعقبها من تقييد لحركة الملاحة في مضيق هرمز دفعا الشركات العالمية إلى البحث عن بدائل فورية، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على النقل عبر الممر الأوسط بنسبة تراوحت بين 450 و500% خلال أسبوع واحد فقط، وتحول هذا المسار إلى أحد أبرز المستفيدين من الأزمة.

ويشير التقرير إلى أن هذا الممر، المعروف رسميًا باسم “طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين”، تأسس عام 2014، لكنه بقي محدود الاستخدام مقارنة بالممر الشمالي الذي يعبر روسيا، قبل أن تؤدي الحرب الأوكرانية ثم أزمة إيران إلى تسريع انتقال حركة التجارة الدولية نحوه. وقد سجل الممر نموًا في حركة الحاويات بنسبة 36% خلال عام 2025، قبل أن تتضاعف أحجام الشحن بشكل غير مسبوق عقب أزمة هرمز.

ويرى التقرير أن الدول الواقعة على امتداد الممر، وهي كازاخستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا، لم تعد مجرد دول عبور، بل أصبحت تمتلك أوراقًا جيوسياسية مؤثرة في حركة التجارة العالمية، رغم استمرار معاناة الممر من اختناقات في الموانئ والسكك الحديدية تحد من قدرته على استيعاب الطلب المتزايد. كما تضاعفت أحجام الشحن في ميناءي أكتاو وباكو، بينما ارتفعت مدة معالجة الحاويات إلى ثلاثة أضعاف نتيجة الضغط الكبير على البنية التحتية.

ويخصص التقرير مساحة واسعة لكازاخستان، التي تسعى إلى تنويع طرق تصدير نفطها بعيدًا عن روسيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن دقيق في علاقاتها مع موسكو. فرغم أن نحو 80% من صادرات النفط الكازاخية ما تزال تمر عبر خط أنابيب اتحاد بحر قزوين الذي يعبر الأراضي الروسية، فإن الاضطرابات الأخيرة عززت الاهتمام بالمسارات البديلة، وإن كانت قدراتها الحالية لا تزال بعيدة عن طاقتها النظرية بسبب نقص الاستثمارات في الموانئ وشبكات النقل.

وفي المقابل، يصف التقرير تركيا بأنها المستفيد الأكبر من التحولات الجارية، مستندة إلى موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى رئاستها لمنظمة الدول التركية، وهو ما يمنحها موقعًا فريدًا كجسر يربط آسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية. ويشير إلى أن حجم البضائع المنقولة عبر الممر إلى تركيا بلغ 4.5 ملايين طن عام 2024، مع تراجع زمن الشحن إلى ما بين 13 و17 يومًا بعد أن كان يستغرق ما بين 28 و32 يومًا، فيما ارتفعت حركة الشحن بالسكك الحديدية بين أنقرة وأستانا بنسبة 35% خلال العام الماضي.

كما يلفت التقرير إلى أن أنقرة تسعى إلى استثمار هذا الموقع من خلال طرح مشاريع جديدة، من بينها مقترح إنشاء خط أنابيب نفطي يخدم الجناح الشرقي لحلف الناتو ويتجاوز مخاطر مضيق هرمز، في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي.

ورغم الاهتمام الأوروبي والأمريكي المتزايد بالممر الأوسط، يرى التقرير أن الصين ما تزال صاحبة النفوذ الاقتصادي الأكبر في آسيا الوسطى، إذ بلغت قيمة تجارتها الثنائية مع كازاخستان 48.7 مليار دولار خلال عام 2025، بينما لا تزال الاستثمارات الغربية دون المستوى المطلوب. ويقدّر التقرير فجوة تمويل مشاريع البنية التحتية اللازمة لتطوير الممر بأكثر من 18 مليار دولار حتى عام 2030، معتبرًا أن هذه الفجوة ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على منافسة الصين في المنطقة.

ويخلص تقرير The National Interest إلى أن أزمة هرمز فتحت نافذة استراتيجية أمام الممر الأوسط، لكنها لن تتحول إلى مكسب دائم ما لم تُترجم الوعود السياسية إلى استثمارات فعلية في البنية التحتية. ويوصي صناع القرار الغربيين بثلاث أولويات رئيسية: توفير تمويل رأسمالي حقيقي للمشاريع، والانخراط بصورة أكثر فاعلية مع الدور التركي، وتقديم دعم اقتصادي مباشر لكازاخستان بما يساعدها على الحفاظ على توازنها بين روسيا والصين. ويرى أن مستقبل الممر لن تحدده التصريحات السياسية، بل القرارات الاستثمارية التي تتخذها الحكومات وشركات النقل والمشغلون التجاريون.