إحياء سكة حديد الحجاز… مشروع يعيد رسم خرائط التجارة والمنافسة الإقليمية
واشنطن: يرى تحليل نشره معهد الخليج للدراسات الأمريكية (AGSI)، وأعده الباحث جورجيو كافييرو، أن مشروع إحياء سكة حديد الحجاز لم يعد مجرد مبادرة لإعادة تشغيل خط تاريخي، بل تحول إلى مشروع جيوسياسي يعكس التحولات التي تشهدها المنطقة بعد أزمة مضيق هرمز، ويهدف إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة والربط الإقليمي، وسط منافسة متزايدة مع مشاريع النقل الدولية الأخرى.
وبحسب التحليل، فإن الزخم الجديد للمشروع جاء عقب توقيع وزيري النقل التركي والسعودي في 9 يونيو/حزيران 2026 مذكرتي تفاهم للتعاون في قطاع السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، ضمن رؤية لإنشاء ممر بري يمتد من إسطنبول مرورًا بحلب ودمشق وعمان والمدينة المنورة ومكة المكرمة وصولًا إلى جدة، مع إمكانية تمديده مستقبلًا نحو سلطنة عُمان. ويأتي ذلك في ظل سعي دول المنطقة إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي أثبتت أزمة هرمز هشاشتها أمام التوترات الجيوسياسية.
وأشار التقرير إلى أن سكة حديد الحجاز تمتلك بعدًا تاريخيًا يعود إلى مطلع القرن العشرين، عندما أمر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بإنشائها عام 1900، قبل أن تصل إلى المدينة المنورة عام 1908، ثم تتوقف لاحقًا نتيجة الحرب العالمية الأولى، فيما تعثرت جميع محاولات إحيائها خلال العقود الماضية بسبب الحروب والصراعات الإقليمية، ولا سيما الحرب السورية. ويرى التحليل أن الظروف الحالية، بما فيها الانفتاح السوري بعد سقوط نظام الأسد، والتقارب التركي السعودي، أعادت المشروع إلى الواجهة.
ولفت التقرير إلى أن الخط الجديد لن يكون منافسًا مباشرًا لناقلات النفط، إذ سيقتصر دوره على نقل البضائع ذات القيمة المرتفعة أو الحساسة زمنيًا، مثل الأغذية المبردة والأدوية والمواد الكيميائية والسلع الصناعية، إضافة إلى الركاب، وخاصة في مجال السياحة الدينية، بينما سيبقى نقل النفط الخام معتمدًا على الشحن البحري.
وفي مقارنة مع مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، يرى الباحث أن سكة حديد الحجاز تقدم نموذجًا مختلفًا؛ فهي تستبعد إسرائيل من مسارها، وتعيد لتركيا دورها التقليدي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، كما أنها لا ترتبط بتحقيق اختراقات سياسية مثل التطبيع السعودي الإسرائيلي، وهو الشرط الذي أدى إلى تجميد مشروع IMEC بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويعتبر التقرير أن المشروع يمثل أيضًا أداة لتعزيز النفوذ التركي في المنطقة، ليس فقط عبر النقل، وإنما من خلال ربط البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شبكات الألياف الضوئية، الأمر الذي يعزز الاعتماد الاقتصادي والتقني للدول المشاركة على تركيا، ويمنح أنقرة نفوذًا سياسيًا ودبلوماسيًا متزايدًا في النظام الإقليمي الناشئ.
ويصف التحليل سوريا بأنها الحلقة الأكثر أهمية والأكثر هشاشة في المشروع؛ إذ إن موقعها الجغرافي يجعلها عنصرًا لا غنى عنه لنجاح الخط، كما يمكن أن تستفيد من استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار والبنية التحتية، غير أن استمرار الضربات الإسرائيلية، والانقسام الداخلي، والمخاطر الأمنية، بما فيها نشاط تنظيم داعش، يجعل مستقبل المشروع مرتبطًا بدرجة كبيرة باستقرار الأراضي السورية.
وفي المقابل، يحذر التقرير من أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات، وإعادة بناء أجزاء واسعة من شبكة السكك الحديدية، إضافة إلى غياب هيئة إقليمية موحدة لإدارة المشروع وتنسيق الجوانب الفنية والجمركية واللوجستية بين الدول المشاركة، فضلاً عن استمرار المنافسة مع النقل البحري الأقل تكلفة في حال عودة الاستقرار إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ويخلص تحليل معهد الخليج للدراسات الأمريكية (AGSI) إلى أن نجاح مشروع إحياء سكة حديد الحجاز سيعيد رسم أنماط التجارة الإقليمية ويمنح النقل البري دورًا أكبر في ربط أوروبا بالشرق الأوسط والخليج، إلا أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرهونًا بثلاثة عوامل رئيسية: استمرار التوافق السياسي بين تركيا والسعودية وسوريا والأردن، وتحسن الأوضاع الأمنية، خصوصًا في سوريا، وقدرة المشروع على الصمود في مواجهة الممرات التجارية المنافسة.