مقالات

إيران والعدوان الأميركي حين تتحول القوة إلى مأزق التاريخ

إيران والعدوان الأميركي حين تتحول القوة إلى مأزق التاريخ

ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهة بين جيوش وإنما صراع بين إرادات ومشروعات سياسية تتجاوز حدود الميدان وما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوة بالنار لا بالدبلوماسية فبعد أيام متواصلة من الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية إيرانية أعلنت واشنطن انتهاء موجة عملياتها الأخيرة بينما تؤكد طهران أن المواجهة لم تنته وأن الرد سيظل مفتوحا ما دامت أسباب الصراع قائمة.

من يقرأ المشهد بعين التاريخ يدرك أن الإمبراطوريات غالبا ما تبدأ معاركها بثقة السلاح لكنها تنتهي وهي تكتشف أن الشعوب لا تقاس بعدد الطائرات ولا بوزن القنابل فالعدوان الأميركي وإن حقق أهدافا تكتيكية فإنه لم يقدم حتى الآن رؤية سياسية تضمن استقرار الإقليم بل على العكس وسع دائرة الاشتباك ورفع كلفة الأمن الإقليمي وأدخل الملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي في دائرة الخطر .

إيران من جهتها لا تتعامل مع الصراع باعتباره معركة حدود بل تعتبره مواجهة وجودية مع مشروع الهيمنة الأميركية ولذلك تبني استراتيجيتها على استنزاف الخصم وإطالة أمد الاشتباك ورفع كلفة أي عمل عسكري مباشر وهذه العقيدة تجعل كل ضربة عسكرية بداية لجولة جديدة لا نهاية للحرب.

الثابت أن واشنطن تمتلك تفوقا ناريا هائلا لكن هذا التفوق لا يكفي وحده لصناعة نصر سياسي فالتجارب من فيتنام إلى العراق وأفغانستان أثبتت أن القوة العسكرية إذا انفصلت عن الحلول السياسية تتحول إلى عبء استراتيجي يستهلك صاحبه أكثر مما يهزم خصمه.

كما أن استهداف البنية التحتية والمنشآت الحساسة يحمل آثارا إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتطال الإقليم بأكمله وهو ما يزيد الضغوط الدولية المطالبة بمنع اتساع دائرة الحرب وحماية المدنيين .

إن أخطر ما في هذه المواجهة أنها تعيد إنتاج منطق القوة المجردة في عالم يحتاج إلى التوازن لا إلى الانفجار فالمنطقة لا تقف اليوم أمام حرب عابرة وإنما أمام مخاض جيوسياسي طويل قد يعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات لعقد كامل وربما أكثر.

وهكذا فإن العدوان الأميركي على إيران ليس مجرد عملية عسكرية بل فصل جديد من صراع الإرادات بين مشروع يسعى إلى فرض الهيمنة ومشروع يرفع شعار الاستقلال والسيادة وستظل نتائج هذا الصراع مرهونة بقدرة كل طرف على تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي وهي المهمة التي أثبت التاريخ أنها الأصعب دائما.