نقش الروح..على جدران الزمن
حين تخفت أصوات المدافع،ويعلو صرير أقفال السجون،تبقى الكلمة هي المعجزة الوحيدة التي لا تخضع للمصادرة.هي ليست حبرا على ورق،بل هي امتداد للنبض حين يعجز الجسد عن الحراك.
وفي زمن يحاولون فيه تشويه المرايا وكسر البوصلة،يصبح الإصرار على الكتابة فعلا مقاومة، والاستعداد للموت من أجل الحقيقة هو أسمى تجليات الحياة.
سنظل نكتب بحضور الفكر والضمير أيضا،وسنظل كذلك على استعداد للشهادة من أجل ما نعتقد أنه الحق.ورغم-أنهم-حرموا علينا حتى حق الإستشهاد،واحتكروا لأنفسهم “بطولة الرأي الواحد” التي سنبقى نرفضها..ولو لم نجد غير أظفارنا،وجدران المقابر أدوات للكتابة والنشر..
نعم،إنها المعركة الأخيرة التي نخوضها بأظفارنا، ليست ضعفا،بل هي التصاق بالجوهر الأول للإنسان،لأن الحقيقة عندما تُدفن في المقابر،لا تموت،بل تتجذر في التراب لتخرج نبضا جديدا في قلوب الأحرار.
وهكذا،حين ننحت حروفنا على جدران القبور، فإننا لا نكتب شهادة موتنا،بل نولد من جديد في كل حرف يقرأه من سيأتون بعدنا.لأن الظلم مهما تطاول،يبقى عابرا كغيمة صيف،بينما تبقى الكلمة الصادقة هي السماء ذاتها.
قد يطمسون المداد،ويحجبون الضوء،لكنهم لن يستطيعوا أبدا أن يطفئوا وهج الضمير المشتعل في أعماق من اختاروا الحرية وطنا.
إنها ليست مجرد كتابة،إنها وصية الروح للأبدية، وشهادة أن الإنسان حين يفكر،يصبح خالدا،وحين يكتب،يصبح تاريخا لا يمحى،وحين يستشهد، يصبح فجرا لا يغيب عن عيون الذين يبحثون عن الحق.
في النهاية،لا يبقى من المعارك إلا ما سُطّر،ولا يخلد من الأبطال إلا من ضحوا بأظفارهم قبل أقلامهم،فكان نقشهم على الصخر أبقى من صخب العابثين.
إنّا إذ نُغرس أظفارنا في صخر القبور،لا نرثي لحالنا،بل نمنح التراب نَبضا جديدا،ونجعل من الموت حاضنة للحياة.وهؤلاء الذين ظنوا أنهم يملكون الموت،واحتكروا الشهادة كجائزة تمنح لأتباعهم،قد فاتهم أن الحقيقة لا تُستأذن،وأن الروح حين تختار طريقها،لا تستجدي رمحا ولا رصاصة لتخلد،بل تخلد في كلمة تقشعرّ لها جلود الظالمين،وتوقظ في الأجيال القادمة سؤالا لا ينام.
إن ظلمهم الأكبر لم يكن في منعنا من الموت،بل في وهمهم بأن الموتَ ينهي شيئا،بينما نحن نكتب بأظفارنا على جدران العتمة إعلان ميلاد لا يعرف الغروب.وكل حرف نخدشه هو وصية للريح،وكل دمعة تسقط على تراب القبر هي بذرة عناد ستنبت يوما شمسا لا تسترجعها الخيول الجائعة ولا تطمس وهجها رياح الطغيان.
عندها،حين يقرأ الأحرار ما سطرناه،سيدركون أننا لم نُهزم حين سُجِنَا،ولم نمت حين قُبِرا،بل كنا هناك،في كل نبضة ترفض الخنوع،وفي كل ظفر يكتبُ على الجدران: الحق لا يُدفن،والضمير لا يُصفد،وما المقابر إلا بواباتنا إلى الأبدية،حين تكون الأقلام أظفارا،وتكون الكتابة شهادة لا تنتهي..
وهكذا،حين نكتب بأظفارنا على جدران المقابر، فإننا لا نسجل موتا،بل نعلن ولادة لا تقهر.لأن الحرف الذي يخدش في الظلمة يبقى نورا،والروح التي لا تجد سوى التراب منبرا،تصير صوتا أبديا لا تكتمه الأسوار،ولا تطفيئه الرصاصات.
هكذا،حيث يفشل السيف في قتل الحقيقة،ينجح الظفر في كتابة الخلود.إنهم يملكون الرصاص، لكننا نملك الصخر،والصخر يحفظ ما لا تحفظ الريح.وكل حرف نخدشه على جدار القبر هو نافذة تفتح على غد لا يعرف غروبا،وكل دمعة تسقط في التراب هي مطر عناد ينبت فجرا جديدا.
نحن لا نكتب وصية راحل،بل نزرع روح قادم،لأن الحقيقة،حين تدفن في الأعماق،لا تموت،بل تتجذر لتصير شجرة تغتصب جذورها عروش الطغاة.وما المقابر،في قاموسنا،إلا بوابات انتصار،ندخل منها أحياء،ونخرج منها خالدين،وبأظفارنا ننحت على الزمن: "الضمير لا يصفد،والحق لا يدفن،ونحن هنا.. أبدا".
في النهاية،تبقى الكلمة وحدها هي الشهادة التي لا تحتكر،والقبر حين يصبح مدادا،يتحول التاريخ كله إلى انتصار للضمير..