مقالات

التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة والموت

التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة والموت

بقلم: سامي إبراهيم فودة

في غزة لم يعد الموت يأتي من القصف وحده، بل أصبح يتسلل أيضًا من أبواب المستشفيات المغلقة، ومن قوائم الانتظار الطويلة، ومن التأخير في إنجاز التحويلات الطبية للمرضى والجرحى والمصابين الذين تتآكل أجسادهم يومًا بعد يوم وهم ينتظرون فرصة للعلاج.

هناك من يظن أن ملف التحويلات الطبية مجرد أوراق ومعاملات وإجراءات إدارية، لكنه في الحقيقة ملف حياة أو موت. خلف كل طلب تحويل طبي إنسان يتألم، وأم تبكي، وطفل ينتظر الشفاء، وعائلة تتشبث بأمل أخير قبل أن تخطف المرض أو الإصابة أحد أفرادها.

في غزة اليوم، يقف آلاف المرضى المصابين بالأمراض الخطيرة والمزمنة والسرطانية، إلى جانب آلاف الجرحى الذين خلفتهم الحرب، على حافة الهاوية. بعضهم يحتاج إلى عمليات جراحية عاجلة، وبعضهم يحتاج إلى علاج تخصصي غير متوفر داخل القطاع، وبعضهم يحتاج إلى إعادة تأهيل أو أطراف صناعية أو تدخلات طبية لا تحتمل التأجيل ساعة واحدة، ومع ذلك ما زالوا عالقين بين الوعود والإجراءات والعقبات.

أي وجعٍ أكبر من أن يشاهد الأب ابنه يذبل أمام عينيه لأنه لم يحصل على فرصة للعلاج؟

وأي مأساةٍ أعظم من أن ترى الأم طفلها يصارع المرض فيما العالم كله يتحدث عن حقوق الإنسان؟

وأي فشلٍ أقسى من أن يتحول المريض إلى رقم في ملف، بينما يقترب منه الموت بخطوات متسارعة؟

إن المسؤولية هنا ليست سياسية فقط، بل أخلاقية ووطنية وإنسانية قبل كل شيء. فالمريض الذي ينتظر العلاج لا تعنيه الخلافات ولا المبررات ولا تبادل المسؤوليات. ما يهمه فقط أن يصل إلى سرير العلاج قبل أن يصل إليه الموت.

لقد آن الأوان لأن يُعامل هذا الملف باعتباره أولوية وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل. فكل يوم يمر دون إيجاد حلول حقيقية يعني مزيدًا من الألم، ومزيدًا من المضاعفات الصحية، ومزيدًا من الأرواح التي تُفقد بصمت بعيدًا عن عدسات الكاميرات وعناوين الأخبار.

إن من حق مرضى غزة وجرحاها أن يحظوا بالعلاج والرعاية الصحية الكريمة. ومن واجب الجهات الرسمية والمؤسسات الصحية وكل أصحاب القرار أن يتحركوا فورًا لتسهيل سفرهم وتأمين علاجهم وإنقاذ حياتهم.

فالأوطان لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة، بل بعدد الأرواح التي تُنقذ.

ولا قيمة لأي مسؤولية إن لم تصل إلى سرير مريض ينتظر العلاج.

ولا معنى لأي منصب إن بقي صاحبه عاجزًا أمام أنين طفل أو استغاثة جريح أو دمعة أم تراقب ابنها وهو يحتضر.

إن مرضى غزة لا يطلبون امتيازات، ولا يبحثون عن رفاهية، ولا يسعون إلى مكاسب خاصة.

إنهم يطالبون بحقهم الطبيعي في الحياة.

فهل من يسمع قبل أن تتحول غرف الانتظار إلى محطات وداع أخيرة؟

وهل من يتحرك قبل أن تصبح التحويلات الطبية شهادات وفاة مؤجلة؟

إنقاذ المرضى ليس منّة من أحد، بل واجب وطني وإنساني وأخلاقي لا يحتمل التأخير، لأن حياة الإنسان أثمن من كل الحسابات، وأغلى من كل الأعذار.

عنوان أراه أكثر قوة وتأثيرًا:

"مرضى غزة ليسوا أرقامًا... أنقذوا من ينتظرون الموت على أبواب العلاج"