اغتيال رجال الشرطة واستراتيجية الفوضى
ليست جريمة اغتيال رجل الشرطة في قطاع غزة حادثة أمنية معزولة يمكن إدراجها في سجل الجرائم اليومية التي ترافق الحرب بل هي رسالة سياسية وأمنية مركبة تستهدف بنية المجتمع قبل أن تستهدف الفرد وتستهدف فكرة الأمن قبل أن تستهدف رجل الأمن، فحين يصبح الشرطي هدفا مباشرا فإن المقصود ليس إزهاق روح إنسان فقط وإنما ضرب الحلقة التي تحفظ النظام العام وتحول دون انزلاق المجتمع إلى الفوضى، وفي علم الصراعات فإن إسقاط المؤسسات يبدأ دائما بإضعاف أدواتها التنفيذية لأن انهيار الأمن يسبق في الغالب انهيار السياسة.
إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في هذه الجريمة في وقت يفترض أن تعيش فيه غزة حالة هدنة يفترض بها وفق القانون الدولي الإنساني أن تخفف من معاناة المدنيين وأن تقلص دائرة الاستهداف، غير أن استمرار عمليات الاغتيال يثبت أن الهدنة تحولت إلى إطار شكلي بينما بقيت الاغتيالات والقصف والتهجير هي اللغة الحاكمة على الأرض حتي اصبحت قوات الاحتلال تسيطرعلى مايزيد عن ٧٠٪من غزة وهذا التناقض يثير أسئلة قانونية وأخلاقية حول جدوى أي اتفاق لا يحترم التزاماته ولا يوفر الحد الأدنى من الحماية للمدنيين وللعاملين في حفظ النظام العام.
من الناحية الأمنية فإن استهداف رجال الشرطة يحمل أهدافا تتجاوز البعد التكتيكي فالشرطة ليست قوة عسكرية تخوض المعارك على خطوط المواجهة وإنما مؤسسة تضبط الأمن الداخلي وتحمي الممتلكات وتنظم حركة المجتمع وتؤمن المساعدات وتحافظ على السلم الأهلي. وعندما يتم استهداف أفرادها فإن الرسالة المقصودة هي إضعاف قدرة المجتمع على إدارة نفسه وخلق فراغ أمني يسمح بتوسيع حالة الاضطراب وإشاعة الخوف وإرباك الحياة اليومية.
هذه السياسة ليست جديدة في تاريخ الصراعات فقد ارتبطت في كثير من التجارب باستراتيجية الفوضى المنظمة التي تقوم على إنهاك المجتمع وإفقاده الثقة بمؤسساته حتى يصبح أكثر قابلية للانهيار وأكثر استعدادا لقبول الوقائع التي تفرضها القوة المحتلة ومن هنا فإن اغتيال رجل الشرطة لا يمكن عزله عن سياق أوسع يسعى إلى تفكيك البنية الإدارية والأمنية في غزة وإبقاء القطاع في حالة إنهاك دائم تمنع أي استقرار أو تعاف.
أما من الزاوية القانونية فإن استهداف الأجهزة المكلفة بحفظ النظام العام خلال الهدنة يطرح إشكالية تتعلق باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومبدأ التناسب والتمييز، فالقاعدة الأساسية في النزاعات المسلحة تفرض تجنب الأعمال التي تؤدي إلى الإضرار غير الضروري بالمدنيين وبالمرافق التي تخدمهم وعندما يؤدي اغتيال الشرطي إلى إضعاف حماية السكان فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الضحية بل يمتد إلى المجتمع بأسره.
إن الجانب الإنساني في هذه الجريمة لا يقل أهمية عن بعدها السياسي فالشرطي الذي خرج من منزله لم يكن يبحث عن معركة شخصية ولم يغادر أطفاله سعياً إلى مجد فردي لقد خرج لأنه يحمل مسؤولية حماية الناس وتنظيم حياتهم وسط ظروف هي من الأصعب في التاريخ الفلسطيني المعاصر ترك أبناءه وهم ينتظرون عودته كما ينتظر آلاف الأطفال آباءهم كل يوم لكنه عاد إليهم شهيداً بعدما دفع ثمن أداء واجبه وهنا تتجلى المأساة الحقيقية حين يتحول أداء الواجب إلى حكم بالموت وتتحول الأسرة إلى ضحية أخرى تضاف إلى سجل الألم الفلسطيني.
إن المجتمع الذي يفقد رجال أمنه في أثناء قيامهم بواجبهم لا يخسر أفرادا فقط بل يخسر خبرات وتراكما مؤسسيا وشعورا عاما بالاستقرار ولذلك فإن استهداف الشرطة لا يهدد المؤسسة الأمنية وحدها بل يهدد الحياة المدنية بكل تفاصيلها ويؤثر في قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات وعلى حماية ممتلكاتهم وعلى الشعور بأن هناك من يسهر على أمنهم.
سياسيا تكشف هذه الجريمة أن الصراع لم يعد يستهدف القدرات العسكرية وحدها بل امتد إلى كل ما يمثل عناصر الصمود المجتمعي فالمدرسة والمستشفى ورجل الإسعاف ورجل الشرطة أصبحوا جميعا جزءا من دائرة الاستهداف وهذه مقاربة تعكس محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية عبر الضغط الإسرائيلي المستمر وإضعاف كل مؤسساتها الحيوية.
إن المطلوب اليوم لا يقتصر على بيانات الإدانة بل يتطلب تحركا قانونياً ودبلوماسيا جادا لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم من قادة الاحتلال وضمان احترام قواعد الهدنة والالتزام بأحكام القانون الدولي كما أن حماية رجال الشرطة والعاملين في المؤسسات المدنية ليست مطلباً فلسطينياً فحسب بل مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تعهد بحماية المدنيين في أوقات النزاعات.
وفي النهاية فإن اغتيال الشرطة لن ينجح في كسر إرادة المجتمع ولن يصنع أمنا قائما على الخوف فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تتمسك بمؤسساتها وتواصل أداء واجبها رغم الجراح تمتلك قدرة أكبر على الصمود من كل مشاريع الفوضى، وسيبقى الشرطي الذي خرج من بيته حاملاً مسؤوليته الوطنية والإنسانية شاهدا على أن حماية الناس ليست وظيفة عابرة بل رسالة قد يدفع أصحابها حياتهم ثمنا لها.