ارتفاع ملفات التحقيق في إرهاب المستوطنين بنسبة 560%... وإفلات الجناة من العقاب يكرس سياسة الضم والتهجير
تكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن الشرطة الإسرائيلية عن اتساع غير مسبوق في ظاهرة إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لأجهزة إنفاذ القانون الإسرائيلية بسبب محدودية الملاحقة القضائية، واستمرار سياسة الإفلات من العقاب، رغم الارتفاع الحاد في الاعتداءات منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أواخر عام 2022.
ووفقاً للبيانات التي كُشف عنها بعد دعوى قضائية أجبرت وزارة الأمن القومي الإسرائيلية على نشرها، ارتفع عدد ملفات التحقيق المتعلقة باعتداءات المستوطنين بنسبة 560% مقارنة بعام 2019، فيما لم تتجاوز نسبة لوائح الاتهام المقدمة بحق المتورطين 6.6% من إجمالي الملفات، الأمر الذي يعكس فجوة واسعة بين حجم الجرائم المسجلة والإجراءات القضائية المتخذة بحق مرتكبيها.
وتشير الأرقام إلى أن الشرطة فتحت 139 ملفاً عام 2019، ثم ارتفع العدد إلى 293 ملفاً عام 2022، قبل أن يقفز إلى 416 ملفاً عام 2023، و685 ملفاً عام 2024، وصولاً إلى 779 ملفاً خلال عام 2025. إلا أن التحقيقات الفعلية لم تُفتح إلا في 307 ملفات فقط من أصل الشكاوى المسجلة، بينما انتهى عدد محدود منها بتقديم لوائح اتهام.
وتؤكد هذه المعطيات أن تصاعد الاعتداءات ترافق مع توسع البؤر الاستيطانية العشوائية وما يعرف بـ"المزارع الاستيطانية"، التي أصبحت أداة رئيسية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها، بدعم سياسي وأمني من الحكومة الإسرائيلية، بحسب تقديرات مسؤولين أمنيين وتقارير منظمات إسرائيلية ودولية. كما حذرت تقارير حديثة من أن وتيرة إنشاء البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي بلغت مستويات غير مسبوقة، بما يعزز واقع الضم الفعلي في الضفة الغربية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ضوء الاتهامات الموجهة لوزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير بتعطيل نشر بيانات الشرطة المتعلقة بعنف المستوطنين لمدة عام ونصف، قبل أن يُفرض الكشف عنها بقرار قضائي. كما اتهمت تقارير إعلامية إسرائيلية ضباطاً في الشرطة بالتقاعس عن ملاحقة المستوطنين المتطرفين، في ظل ضغوط سياسية حالت دون تطبيق القانون بصورة متساوية.
ورغم تصاعد الاعتداءات، لا يزال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقلل من خطورة الظاهرة، إذ سبق أن وصف منفذي هذه الاعتداءات بأنهم "مجموعة صغيرة من الفتية"، معتبراً أن القضية يجري تضخيمها، وهو توصيف يتناقض مع المؤشرات الميدانية التي تظهر تزايداً مستمراً في أعمال العنف ضد الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته، خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن سلطات الاحتلال وفرت، في حالات عديدة، غطاءً أمنياً وقانونياً لاعتداءات المستوطنين، وأن قوات الاحتلال رافقت أو وفرت الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ هجمات ضد الفلسطينيين، معتبرة أن تصاعد هذه الاعتداءات يرتبط بسياسات التوسع الاستيطاني والضم.
كما توثق تقارير حقوقية دولية استمرار فشل سلطات الاحتلال في إجراء تحقيقات فعالة، وتؤكد أن الغالبية الساحقة من القضايا المتعلقة باعتداءات المستوطنين تنتهي دون تقديم لوائح اتهام أو أحكام قضائية، وهو ما يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الجرائم.
وتتعارض هذه الممارسات مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة وضمان أمنهم وممتلكاتهم، كما تتعارض مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم مشروعية الاحتلال والاستيطان، ومع قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد عدم شرعية المستوطنات وضرورة وقف التوسع الاستيطاني.
ويرى مراقبون أن اتساع ظاهرة إرهاب المستوطنين لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال استخدام العنف المنظم لإفراغ التجمعات الفلسطينية من سكانها، والسيطرة على المزيد من الأراضي، بما يخدم مشاريع الضم وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية.
وفي ظل غياب المساءلة الحقيقية، واستمرار الدعم السياسي للمستوطنين المتطرفين، تبدو منظومة العدالة الإسرائيلية عاجزة أو غير راغبة في الحد من هذه الظاهرة، الأمر الذي ينذر بمزيد من التصعيد، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي باتت تشكل أحد أبرز ملامح المشهد في الأراضي الفلسطينية