اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل...بين استحقاقات السيادة واختبار الوحدة الوطنية
بقلم:
لا تكمن أهمية الاتفاقات الدولية في بنودها الإجرائية فحسب، بل في الفلسفة التي تحكمها، وفي الطريقة التي تعيد بها تعريف طبيعة الصراعات وأولويات معالجتها. ومن هذا المنطلق، فإن "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة لا يستدعي قراءة تقنية تقتصر على تفسير مواده، بقدر ما يستدعي قراءة سياسية وقانونية تبحث في ما قد يترتب عليه من تحولات في مفهوم السيادة، وموقع الاحتلال الإسرائيلي في معادلة الصراع، ومستقبل الدولة اللبنانية ووحدتها الوطنية.
فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاق توحي بأن مقاربته لا تنطلق من الاحتلال الإسرائيلي بوصفه القضية المركزية التي تستوجب إنهاءً غير مشروط وفق قواعد القانون الدولي، وإنما تربط التقدم في التنفيذ بجملة من الالتزامات الأمنية الداخلية، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أصبح إنهاء الاحتلال مرتبطًا باستكمال ترتيبات الداخل اللبناني، أم أن الاحتلال ما يزال، قانونًا وسياسة، السبب الأصلي للنزاع الذي يوجب إنهاءه بصرف النظر عن التعقيدات الداخلية؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يمس فلسفة الصراع ذاتها. فمن المبادئ المستقرة في القانون الدولي أن الاحتلال وضع غير مشروع، وأن إنهاءه التزام قانوني مستقل لا يجوز تعليقه على شروط تفرضها القوة القائمة بالاحتلال أو ترتبط بأوضاع الدولة الواقعة تحت الاحتلال. أما إذا أصبح الانسحاب مرتبطًا بآليات تحقق أو بتقدير مدى تنفيذ لبنان لالتزاماته الأمنية، فإن الاحتلال يتحول، عمليًا، من مخالفة قانونية واجبة الإزالة إلى عنصر في معادلة تفاوضية قابلة للتأجيل وإعادة التفسير.
ولعل ما يعزز هذا الانطباع هو اعتماد الاتفاق لغة تتحدث عن "إعادة الانتشار" أو "إعادة التموضع" أكثر مما تتحدث عن الانسحاب الكامل وغير المشروط، فضلًا عن منح آليات المتابعة والتحقق دورًا محوريًا في تحديد مسار التنفيذ. فاللغة القانونية ليست مجرد ألفاظ، وإنما هي التي ترسم حدود الالتزامات وتحدد آثارها، كما أن طريقة تنفيذ الاتفاق قد لا تقل أهمية عن نصوصه ذاتها.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى الدور الأمريكي الذي يبدو، وفق هذه الآليات، متجاوزًا حدود الوساطة التقليدية إلى المشاركة الفعلية في المتابعة والتقييم والتنسيق، مع ما قد يرافق ذلك من ربط بين المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار وبين مدى التقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية. ومهما كانت المبررات العملية لهذا الربط، فإنه يثير تساؤلات مشروعة حول حدود تأثيره في استقلال القرار الوطني اللبناني.
ومن زاوية القانون الدولي، تبرز مسألة لا تقل أهمية، وهي حق لبنان في اللجوء إلى الأمم المتحدة والهيئات القضائية الدولية للدفاع عن حقوقه وملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية. فإذا كان بعض نصوص الاتفاق قابلاً لتفسير قد يحد من فعالية هذا الحق أو يضعه ضمن قيود سياسية، فإن الأمر يستحق نقاشًا جادًا، لأن الاحتكام إلى الشرعية الدولية يظل أحد أهم عناصر القوة القانونية للدولة اللبنانية.
وتزداد أهمية هذه القراءة عند مقارنتها باتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية لعام 1949، التي انطلقت من احترام الحدود الدولية، ووقف الأعمال العسكرية، وإنشاء لجنة مختلطة برئاسة الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن أحكامها لا تمس الحقوق السياسية والقانونية لأي من الطرفين. كما أن المقارنة مع اتفاق 17 أيار 1983، رغم اختلاف السياق التاريخي والسياسي، تذكر بأن الإشكالية في أي اتفاق لا تكمن في عنوانه، بل في مدى تأثيره في استقلال القرار الوطني وفي التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السيادة.
غير أن أخطر ما يثيره اتفاق الإطار، إذا صح هذا الفهم لبنوده وآليات تنفيذه، لا يتعلق فقط بالعلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل بما قد ينعكس به على الداخل اللبناني. فلبنان ليس دولة تقوم على أغلبية سياسية واحدة، وإنما على توازنات وطنية ودستورية دقيقة، وأي اتفاق يجعل مستقبل الانسحاب أو إعادة الإعمار أو الاستقرار مرتبطًا بحسم خلافات داخلية شديدة الحساسية، قد ينقل مركز الصراع من الحدود إلى الداخل، ويحوّل قضية وطنية جامعة إلى محور انقسام سياسي دائم.
وهنا تكمن المفارقة. فالاحتلال، في الأصل، هو الذي يفترض أن يوحد الإرادة الوطنية لإنهائه، لا أن يصبح استمرارُه أو إنهاؤه مرتبطًا بمدى قدرة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية. وإذا حدث ذلك، فإن الخلاف لن يبقى حول الوسائل، بل قد يمتد إلى تعريف أولويات الدولة نفسها، وهو تطور بالغ الخطورة على وحدة المجتمع واستقرار المؤسسات.
إن بناء الدولة اللبنانية لا يتحقق بالاستقرار الأمني وحده، كما أن السيادة لا تكتمل باحتكار الدولة لاستخدام القوة وحده، وإنما تقوم على معادلة متوازنة تجمع بين إنهاء أي احتلال، وترسيخ سلطة الدولة، وصون الوحدة الوطنية. فهذه العناصر ليست متعارضة، بل متكاملة، وأي مقاربة تقدم أحدها على حساب الآخر قد تفتح الباب أمام أزمات جديدة بدل أن تقدم حلولًا دائمة.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق الإطار لن تُقاس بقدرته على وقف إطلاق النار أو تخفيف التوتر فحسب، وإنما بمدى التزامه بقواعد الشرعية الدولية، واحترامه لسيادة لبنان، وعدم تحويل الاحتلال إلى ورقة تفاوض مفتوحة، أو تحويل الانقسام الداخلي إلى شرط سابق لاستعادة الحقوق الوطنية.
ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل هذا الاتفاق: هل سيكون خطوة نحو استقرار قائم على القانون والسيادة، أم مدخلًا إلى إعادة تعريف الصراع بحيث يصبح الداخل اللبناني هو ساحة الاختبار الأولى؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مصير الاتفاق وحده، بل تحدد أيضًا مستقبل الدولة اللبنانية. فالدول لا تُبنى على معادلات تربط سيادتها بشروط الآخرين، وإنما على وحدة وطنية راسخة، ومؤسسات دستورية قوية، وحق ثابت في إنهاء الاحتلال وفق أحكام القانون الدولي. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح السلام ثمرةً للعدالة، لا بديلًا عنها.