ثقافى

مداخلة في إشهار كتاب مصطفى عبد الفتاح: قراءات نقديّة في أدب النكبة وأدب السجون \ الحريّة!

مداخلة في إشهار كتاب مصطفى عبد الفتاح: قراءات نقديّة في أدب النكبة وأدب السجون \ الحريّة!

*** مقدّمة مختارة (أدناه المداخلة الكاملة)

يضع مصطفى الإصبعَ على إشكاليّة عويصة تعتور روايتَنا الفلسطينيّة مقابل الرواية الصهيونيّة. الرواية الصهيونيّة موحَّدةٌ وموحِّدة؛ فما يقوله في حيثيّاتها ابن "كريات شمونة" يقوله ابنُ "تل أبيب" ويقوله ابنُ "إيلات"؛ مواطنًا عاديّا كان أو قائدًا أو كاتبًا على اختلاف خلفيّاتهم السياسيّة وحتى الأيديولوجيّة. أمّا نحن؛ فروايتُنا في الكثير من مواضعِها مجزّأةٌ وأحيانًا متناقضة، فنجد أنّ ما يقولُه ابنُ الجشّ في مواضعَ كثيرةٍ من روايتنا ليس ما يقوله ابن عرّابة ولا ابن الطيرة ولا ابن القدس ولا ابن راهط؛ مواطنًا كان، قائدًا، أو كاتبًا؛ كان مؤرّخًا أو باحثًا أو مفكّرا، وكذا الأديب!

الأسبابُ وراء هذا التناقض أكثرُ من أن تُحصى، وفي مركزها التشرّدُ وضياعُ المرجعيّات الإنسانيّة والوثائقيّة، فإن كانت هذه الأسبابُ شرعيّةً في فترة من الزمن لضيقِ ذات اليد، لم تعُد كذلك. التناقضُ في الرواية على سيّئاته وخطورته قابلٌ للإصلاح إن توفّرت لدى الكتّاب الثقافةُ العميقة والجرأةُ على تخطّي المسلّمات. ولكن الطامّة الكبرى هي حين نتبنّى من حيث ندري أو لا ندري الرواية الصهيونيّة؛

*** المداخلة الكاملة

الأخوات والأخوة

أعتقد أن مصطفى يقف في كتابيه \ قراءتيه أمام مشروع حياة، فيُستشفّ من خلال مقدّمات ومداخلَ الكتابين أن مصطفى مسكون بالنكبة في الجزء الأوّل؛ الرواية \ السرديّة الفلسطينيّة، وفي الجزء الثاني في أحد إسقاطاتها الهامّة؛ أدبِ الحريّة\ أدبِ السجون.

فنراه يكتب في مقدّمة الجزء الأوّل: "جذبني كمٌ كبير من الأعمال الأدبيّة التي أخذتْ من النكبة الفلسطينيّة عام 48 الحيّزَ والاهتمامَ الأكبر، ... على الفلسطينيّ أن يكون على أهبة الاستعداد إمّا المقاومة أو الرحيل، وعلى الكاتب أن يقول كلمته وأن يرسم صورة وطنه وتطلّعات شعبه... الأدب الجيّد هو الأدبُ المقاوم الذي يجعل القارئَ يحلم بروايته أيّامًا بعد قراءتها...".

ويقول: "وبما أنّ التاريخ يكتبه المنتصر ويزيّنه كما يشاء بدم المهزومين وبعثرات الحروب ودمار الوطن فقد استعاض عنه الفلسطينيّ بترتيب أوراقه من خلال إعادة كتابة روايته وترتيب أوراق حكايته كي يستطيع من خلالها أن يلتصق بحاضره وأن ينظر إلى مستقبله، فوجودُه الوطنيّ والقوميّ مرهون بانتصار حكايته (روايته)."

في هذا السياق، هنالك قول منسوب لنابليون بونابارت يقول فيه: "التاريخ هو الحكاية (الأكذوبة) التي نتّفق عليها!"

وبغضّ النظر عمّن يكتب التاريخَ أو كيف يُكتب التاريخ، فمصطفى يترك كمَّا من الأسئلة المفتوحة، الملحّة حسب مصطلحه، أمام وجدان الكتّاب، فيسأل: "كيف يكتب الكتّاب روايتَنا التي يحاول أعداءُ شعبنا تشويهَها؟! كيف نريد للعالم أن يرانا؟! كيف نتصرّف تجاه قضيّتنا وتاريخنا ورسالتنا إلى العالم؟! بأيّ طريقة ندافع عنها؟! هل نحن بحاجة لترسيخ هذه الرواية في وجدان أبنائنا وفي وجدان العالم؟! هل نستطيع من خلال روايتنا أن نقنع العالم بصدق قضيّتنا؟!

بهذه الأسئلة الاستنكاريّة يضع مصطفى الإصبعَ على إشكاليّة عويصة تعتور روايتَنا الفلسطينيّة مقابل الرواية الصهيونيّة. الرواية الصهيونيّة موحَّدةٌ وموحِّدة؛ فما يقوله في حيثيّاتها ابن "كريات شمونة" يقوله ابنُ "تل أبيب" ويقوله ابنُ "إيلات"؛ مواطنًا عاديّا كان أو قائدًا أو كاتبًا على اختلاف خلفيّاتهم السياسيّة وحتى الأيديولوجيّة. أمّا نحن؛ فروايتُنا في الكثير من مواضعِها مجزّأةٌ وأحيانًا متناقضة، فنجد أنّ ما يقولُه ابنُ الجشّ في مواضعَ كثيرةٍ من روايتنا ليس ما يقوله ابن عرّابة ولا ابن الطيرة ولا ابن القدس ولا ابن راهط؛ مواطنًا كان، قائدًا، أو كاتبًا؛ كان مؤرّخًا أو باحثًا أو مفكّرا، وكذا الأديب!

الأسبابُ وراء هذا التناقض أكثرُ من أن تُحصى، وفي مركزها التشرّدُ وضياعُ المرجعيّات الإنسانيّة والوثائقيّة، فإن كانت هذه الأسبابُ شرعيّةً في فترة من الزمن لضيقِ ذات اليد، لم تعُد كذلك. التناقضُ في الرواية على سيّئاته وخطورته قابلٌ للإصلاح إن توفّرت لدى الكتّاب الثقافةُ العميقة والجرأةُ على تخطّي المسلّمات. ولكن الطامّة الكبرى هي حين نتبنّى من حيث ندري أو لا ندري الرواية الصهيونيّة؛ ولنا في روايتنا أمثلةٌ فاقعة وفي صلبِها المثلُ الأفقع؛ الرواية حول جيش الإنقاذ ودورِه في النكبة. الرواية السائدة عندنا عن هذا الجيش هي تمامًا الروايةُ الصهيونيّة "الأصلانيّة"، والمتصهينةُ وأصحابُها؛ عملاءُ الصهيونيّة بين ظهرانينا، وأحيانًا ولشديد الأسف قوًى سياسيّة أيديولوجيّة.

فما الفارق بين ما يقوله ابنُ تل أبيب وبيتح تكفا وما يقوله ابن الناصرة وابن رام الله وابن جنين والخليل عن هذا الجيش؟!

رواياتُنا وروايتُنا التي تناولت النكبة في كلّها أو جلّها حين تلامس جيشَ الإنقاذ تلامسُه كما لامسته الرواية الصهيونيّة الأمنيّة ومجروراتُها بيننا. وكونُنا نحتفي بكتابيّ "عريسنا" مصطفى، فيكفينا مثالًا ما راح إليه مصطفى الراوي ومصطفى القارئ في هذا السياق. مصطفى يتطرّق أكثر من مرّة إلى روايته؛ "عودة ستّي مدلّلة"، وقد شملت قراءاتُه قراءةً في كتابي: "جيش الإنقاذ وظلم ذوي القربى"، ويلاحظ أنّه قد وقع في الرواية وفي القراءة في مطبّ الرواية السائدة!

لا مجالَ هنا للخوض في وقائع الدور البطوليّ الذي اجترحه أولئك الأبطال في معارك ملحميّة؛ في جدّين والكابري وهوشة والكساير والزرّاعة والنبي صمويل والطرون والسجرة ويانوح وأبو شريتح – معليا.. ولكن يكفي أن نطرح السؤالَ الاستنكاريّ: كيف لأولئك الشبابِ من المغرب إلى مصرَ وحتّى اليمن مرورًا بالعراق وانتهاء بلبنان الذين تركوا أعزاءهم وجاؤوا مدافعين عن فلسطين أن يكونوا في روايتٍنا السائدة ورواياتِ كتّابنا؛ شُذّاذَ آفاق وخونةً ومتآمرين، وفي غالب الأحيان اعتمادًا على: "قال فلان وحكى علّان"؟!؟!  

هذا جزء من روايتنا "النكبويّة" التي جاء مصطفى في قراءاته في الجزء الأوّل ليضعها في سؤاله الاستنكاريّ: "كيف نكتب روايتنا التي يحاول أعداء شعبنا تشويهها؟".

فهل نجح؟!  

فعلَها.. وإن ترك بعض "بورٍ" في الحقل ربّما تستفزّ كتّابنا أن يحرثوه.. فـَ "البورة المطمورة تكسر راس السكّة"!

الأخوات والأخوة

الحريّة هي ثاني قيمة لدى الإنسان بعد الحياة، وهنالك من يضعُها فوق الأولى سلّم القِيم. الجزء الثاني من قراءات مصطفى جاء مستلهمًا ممّا كتبه أسرى الحريّة.. فيكتب: "الكتابة داخل السجن أحدُ أرقى أشكال المقاومة الثقافيّة"، ويقتبس:

"يتجاذب الكتابةَ في داخل السجن نزعتان، نزعةٌ تتّجه نحو الحريّة دائمةِ التوهّج في روح الأسير، وسلوكِه الذي يحاكيها على مدار الساعة، ونزعةٌ تتّجه نحو مقاومة القيد الذي يفرض عليه شروطَ الأسر المصمّمةَ لتكبيل إرادته وتحطيمِها- حسام شاهين".

ويقتبس: "نحن نكتب لأنّ الحياةَ لا يبقى منها إلّا ما يُكتب عنها ومنها وإليها، فمن يكتب لا يضلّ ولا يشقى، نحن نكتب لأنّ الكتابةَ للأسير تعني الانبثاقَ أو الانعتاقَ من نير العبوديّة إلى الحريّة، ونحن نكتب يا سادَتنا القراءَ لنقلّدَ سيرتنا ومسيرتنا إلهامًا ووسامَ خلود، إنّ الكتابة في قاموسنا وفي ناقوسنا تعني أن يمتطيَ الأسيرُ صهوة حصان الحقّ – أيمن الشرباتي \ المواطن"

 هنا سأخرج عن النصّ... لأحكي عن أيمن رفيقي في السجن:

_ المواطن...

_ أن يمتطي الأسير صهوة حصان الحقّ...

_ المخيّم الصيفي والخيار الإنسانيّ...

وبعد...

في مقدّمة لكتاب الأسير سائد سلامة "عطر الإرادة’، كتبت: "الأسير ليس فقط مناضلا ورمزا للتضحيّة بأغلى قيمة لدى الإنسان، حرّيتِه. الأسير صاحبُ القضيّة شعلةٌ من الإنسانيّة لا تنطفئ حين يتمنطق البندقيّةَ ولا في ظلمات أعتى الزنازين." وكتب هو في الإهداء:  

"الأشقياء في الدّنيا كثر، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحوَ شيئا من بؤسهم وشقائهم فلا أقلّ من أن أسكب بين أيديهم هذه العبراتِ علّهم يجدون في بكائي عليهم تعزيةً وسلوى."

حين يكتب مصطفى عن أدب الأسرى فهو يضيء أكثر من شعلة إن لم تقوَ على إضاءة ظلام زنازينهم فعلى الأقلّ تضيء ظلمات طرقات أبناء شعبهم. مصطفى الذي أراد لنا أن نتذوّق الثمراتِ التي جناها الأسرى بعد ان انتزعوا السجن من داخلهم، بلسان الأسير سائد سلامة الذي لم يأتِ مصطفى على نتاجة؛ فكان هذا كتب:    

"هذا بالضبط ما جعلني أبتكر مساراتي الذاتيةَ الخاصةَ في خضم التقاطعات الموغلة في سلبيتها والتي يفرضها السجن كنمط حياة، في البداية كنت ساذجًا حقًّا، إذ اعتقدت بأن السجنَ كما يصفونه تجاوزًا، بالمدرسة أو الجامعة التي تخرّج المناضلين، ولكنّني فيما بعد، أدركته على حقيقته، وبأنني طالما أقبع فيه فسأظل أدركه وسأظل أعاود ملائمة ذاتي له من جديد، ... لذا قررت أن أواجهه بانتزاعه من داخلي، حتى وإن كنت أعيش فيه، فالقبعات التي ألبسوني إياها سوف لن تأسرني من ذاتي، وسأظل أنتزعها في كلّ يوم وفي كلّ حدث وفي كلّ موقف، وسأحولُها الى شموع تنتثر على مسار السنين فتضيئه، إلى أن يحين موعدُ الإفراج."       

مصطفى استعرض كمّا من المعوّقات التي تقف أمام الأسير في وجه مولوده الأدبيّ، اللهم إلّا أنّه فاته المعوّق الأنكى والأشد إيلامًا؛ النشر!

يكتب مصطفى عبد الفتّاح في إطلالته على أدب الحريّة، في الفصل الأوّل من الجزء الثاني ص47، إطلالةً وسَمَها بـ "التواصل مع الأسرى" فيقول: "ومن هذه الرؤية ومن هذا المنظار اجترح المحامي حسن عبّادي، ومعه الاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين – الكرمل48 المشروع الرائد..."

مرّة أخرى والخروج على النصّ والمعوّقات والمشروع ودور الاتّحاد مُطلِق المشروع.....!   

_ ولادة عطر الإرادة للأسير سائد سلامة...

_ الاتّحاد ووزارة الثقافة الفلسطينيّة...

_ حيفا ونادي حيفا ودار الرعاة والانطلاقة...

هكذا وُلد المشروع أطلقه الاتّحاد العام للكتّاب.. أمّا بعد.. يشير مصطفى في أطروحاته إلى حلقة أخرى وهي؛ إشهارِ بعض الكتب على أنقاض قرى الكتّاب الأسرى أو أبطال رواياتهم، وهنا من الضرورة كان أن يذكر أنّ الاتّحاد في هذا اجترح موقفًا مقاومًا تحت طائلة المساءلة القانونيّة على ضوء "قانون النكبة (تعديل رقم 40 لقانون أساس الموازنة)" كرمى للأسرى!

وختامًا...

إن كان مصطفى كتب ما كتب أعلاه ولم يُشر إلى هذا المعوّق الأساس، فمن ناحية ما من شكّ أنّ أطروحاتِه القيّمة في هذين الكتابين هي كذلك صرخةٌ في وجه المطالَبين المعوِّقين؛ المؤسّسات الفلسطينيّة الثقافيّة والسياسيّة، ومن الناحية الأخرى هي صرخةٌ في وجهنا؛ نحن الكتّابَ: أن ارعوَوا عن الرواية \ السرديّة الاختلاط، وارعوَوا عن حمَلَتها آلام المخاض خلف القضبان وخارج القضبان.

لم أوردَ إبلي في هذه المداخلةِ إلى الغوص في القراءات التي شملها الكتابان إلّا تشذيرًا، فهذه أتركها للقارئ، ومسبقًا أوصي، إن كان هنالك مكان لتوصية، ستكسب عزيزي القارئ.. ففي الغوص في أعماقها ستجد الكثير من اللآلئ للاستخراج، وإن كان بعضها بحاجة إلى تشذيب وتهذيب.

بوركت يا مصطفى.. وإلى المزيد!

قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!