الوحدة الوطنية التي لم نعرفها: من عصبية الولاء إلى أخلاق المواطنة...!
ليست الوحدة الوطنية في الحالة الفلسطينية مفهومًا سياسيًا بقدر ما هي استعارة كبرى، تُستدعى كلما استعصت السياسة على الحل، ويُكثر الجميع من ترديدها كلما ابتعدوا عنها. فهي، على الرغم من كثافة حضورها في الخطاب الفلسطيني، تكاد تكون أكثر المفاهيم التباسًا وإبهامًا؛ إذ لم يحظَ مصطلح آخر بهذا القدر من الإجماع الخطابي، يقابله هذا القدر من الاختلاف في المعنى. ولهذا، تبدو الوحدة الوطنية وكأنها مفهوم بلا تعريف جامع، أو لافتة تتسع لكل التأويلات، حتى أصبح كل فاعل سياسي يراها بالصورة التي تحفظ موقعه، لا بالصورة التي تؤسس لمشروع وطني جامع.
والسؤال الذي ظل مؤجلًا لعقود ليس: كيف نحقق الوحدة؟ وإنما: ما هي الوحدة أصلًا؟ هل هي وحدة الوسائل أم وحدة المقاصد؟ هل تعني توحيد البرامج السياسية، أم الاتفاق على غايات وطنية عليا مع الإقرار بشرعية الاختلاف في الوسائل؟ وهل يمكن الحديث عن وحدة وطنية في ظل غياب رؤية مشتركة لطبيعة المشروع الوطني، ولمستقبل النظام السياسي، ولأدوات النضال، ولحدود الممكن والمستحيل في الصراع؟
إن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس لم يكن ينظر إلى التوافق بوصفه إلغاءً للاختلاف، وإنما بوصفه نتاجًا لحوار عقلاني داخل فضاء عام يتساوى فيه المختلفون في الحق في التعبير والمشاركة. وبهذا المعنى، فإن الوحدة ليست قرارًا تنظيميًا ولا اتفاقًا فوقيًا، وإنما هي حصيلة تواصل سياسي وأخلاقي يفضي إلى ما يسميه "الإجماع التداولي".
أما في الحالة الفلسطينية، فقد جرى اختزال الوحدة في اتفاقات النخب، بينما ظل الفضاء العام نفسه منقسمًا، ومقيدًا بالاستقطاب، ومفتقرًا إلى شروط الحوار الحر. ولذلك بقيت معظم اتفاقات الوحدة أقرب إلى هدنة بين القوى السياسية منها إلى عقد اجتماعي يؤسس لمجتمع سياسي جديد.
ولعل المأزق الفلسطيني يكمن في أن الوحدة طُرحت دائمًا باعتبارها نقطة البداية، بينما هي في حقيقتها نقطة الوصول. فالوحدة ليست شرطًا سابقًا لإنتاج المشروع الوطني، بل هي ثمرة مشروع وطني متوافق عليه، ولهذا فإن غياب الرؤية المشتركة يجعل المطالبة بالوحدة أشبه بالمطالبة ببناء السقف قبل الاتفاق على تصميم البيت.
ومن زاوية أخرى، تبدو الإشكالية الفلسطينية أعمق من مجرد خلاف سياسي؛ فهي تمس البنية الثقافية التي تتحرك داخلها السياسة نفسها، فما يزال المجتمع الفلسطيني، رغم تطوره السياسي، يحمل في داخله بقايا البنى التقليدية التي وصفها ابن خلدون قبل قرون حين جعل العصبية أساسًا لتماسك الجماعات، فالعصبية لا تعني القبيلة بوصفها رابطة نسب فقط، وإنما كل ولاء مغلق يقدم الجماعة على الفكرة، والانتماء الخاص على المصلحة العامة. ولذلك فإن القبيلة الحديثة قد ترتدي ثوب العائلة، أو الفصيل، أو الجهة، أو حتى المؤسسة، لكنها تحتفظ بالمنطق نفسه؛ منطق الولاء قبل الكفاءة، والطاعة قبل النقد، والانتماء قبل المواطنة.
وهنا يظهر التناقض الجوهري بين فلسفة القبيلة وفلسفة الوحدة الوطنية، فالقبيلة لا تعترف بالتعددية إلا بوصفها تهديدًا، لأنها تبني وجودها على التمايز والانغلاق، وتؤسس شرعيتها على الطاعة والولاء، وتنتج عالمًا تُقاس فيه المواقف بقرب الأشخاص لا بصواب الأفكار. أما الوحدة الوطنية، فهي لا تنشأ إلا حيث توجد التعددية أصلًا؛ إذ لا معنى للوحدة بين المتشابهين، وإنما معناها الحقيقي هو الاتفاق بين المختلفين. ولهذا فإنها ليست نقيض الاختلاف، بل شرطه الحضاري، لأنها تحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل.
ولعل هذا ما يجعل أفكار حنّة آرندت ذات دلالة خاصة في قراءة الواقع الفلسطيني؛ فهي ترى أن السياسة لا تبدأ عندما يتطابق الناس، بل عندما يظهر المختلفون في فضاء عام مشترك، يعترفون ببعضهم بعضًا، ويقبلون أن يكون الاختلاف شرطًا للفعل السياسي لا نقيضًا له. فالتعددية، في فلسفة آرندت، ليست عيبًا ينبغي التخلص منه، وإنما هي جوهر السياسة ذاتها. وكل مشروع يسعى إلى إنتاج مجتمع بلا اختلاف، لا يؤسس وحدة، بل يؤسس شكلًا مقنعًا من أشكال الهيمنة.
ومن هنا تبدو المفارقة الفلسطينية مؤلمة؛ إذ يُرفع شعار الوحدة في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الاختلاف بوصفه خيانة، وإلى النقد باعتباره انقسامًا، وإلى التعددية باعتبارها ضعفًا. وهكذا يتحول المفهوم إلى نقيضه؛ فبدل أن تكون الوحدة إطارًا لإدارة الاختلاف، تصبح أداة لإلغائه، وبدل أن تكون عقدًا بين المختلفين، تتحول إلى مطالبة الآخرين بالتشبه بمن يرفع شعارها.
وليس بعيدًا عن ذلك، فإن جون رولز يميز بين الاتفاق على العقائد الشاملة والاتفاق على المبادئ السياسية المنظمة للحياة العامة، فيما يسميه "الإجماع المتداخل"؛ فالمجتمعات لا تستقر لأن أبناءها يفكرون بالطريقة نفسها، بل لأنها تتفق على قواعد عادلة لإدارة اختلافاتهم. وربما يكون هذا هو الدرس الأكثر إلحاحًا في الحالة الفلسطينية؛ إذ لا يشترط للوحدة أن تتطابق البرامج الأيديولوجية، وإنما أن تتوافق القوى المختلفة على قواعد دستورية وأخلاقية تحكم التنافس، وتحمي الشراكة، وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام وجودي.
إن الأزمة الفلسطينية، في جوهرها، ليست أزمة انقسام سياسي فقط، بل أزمة انتقال غير مكتمل من مجتمع العصبية إلى مجتمع المواطنة، ومن شرعية الولاء إلى شرعية المؤسسات، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة. ولهذا بقيت الوحدة الوطنية حبيسة البلاغة السياسية، لأنها لم تتحول بعد إلى ثقافة مدنية تؤمن بأن الوطن يتسع للاختلاف، وأن الحقيقة الوطنية ليست ملكًا لفصيل، ولا يمكن احتكارها باسم التاريخ أو المقاومة أو الشرعية.
فالوحدة الوطنية ليست صورة جماعية تلتقطها القيادات بعد جولات الحوار، ولا بيانًا ختاميًا يُعلن انتهاء الخلافات، وإنما هي منظومة قيم قبل أن تكون منظومة ترتيبات؛ هي اعتراف متبادل، وثقة متبادلة، وعدالة في توزيع السلطة، واحترام للتعددية، وإيمان بأن الوطن ليس مساحة لتغليب العصبيات، بل فضاء أخلاقي يجتمع فيه المختلفون حول المشترك الإنساني والوطني.
لذلك، فإن السؤال الفلسطيني لم يعد: كيف نستعيد الوحدة الوطنية؟ بل: كيف نؤسس ثقافة سياسية تجعل الوحدة ممكنة؟ وكيف ننتقل من مجتمع تحكمه العصبيات، إلى مجتمع يصنعه المواطنون؟ وكيف نغادر منطق الولاء إلى منطق العقد الاجتماعي؟ فالوحدة ليست شعارًا يُرفع فوق المنابر، وإنما نتيجة لمسار طويل من بناء الثقة، وإصلاح المؤسسات، وتحرير السياسة من إرث العصبية، حتى يصبح الاختلاف مصدرًا للقوة، لا مقدمةً لانقسام جديد.