دراسة إسرائيلية: تل أبيب مطالبة بكسر "الجمود الاستراتيجي" عبر إعادة هندسة الإقليم
تل أبيب: ترى دراسة إسرائيلية حديثة أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري مقارنة بما كانت عليه قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023، تعيش ما تصفه بـ”الجمود الاستراتيجي”، حيث لم تتحول الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية مستدامة، وهو ما يستدعي تبني استراتيجية إقليمية جديدة تتجاوز إدارة الحروب إلى إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.
وبحسب الدراسة الصادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بعنوان “وقت كسر الجمود الاستراتيجي: التحدي الجوهري لإسرائيل”، للباحث كوبي مايكل، فإن إسرائيل تواجه استنزافًا متزامنًا على عدة جبهات، يتمثل في استمرار الحرب في قطاع غزة، والتوتر مع حزب الله على الحدود اللبنانية، وتصاعد التحديات في الضفة الغربية، إضافة إلى غياب تقدم في المسار السوري وتراجع مكانتها الدولية، فضلاً عن أزمة ثقة متنامية مع الإدارة الأمريكية.
وتعتبر الدراسة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص القوة العسكرية، وإنما في غياب استراتيجية سياسية قادرة على استثمار تلك القوة لتحقيق أهداف بعيدة المدى، مشبهةً أداء إسرائيل بلعبة “الداما” التي تركز على المكاسب التكتيكية، مقابل ما تصفه باستراتيجية “الشطرنج” التي ينتهجها محور إيران عبر تنسيق ساحات الصراع المختلفة ضمن رؤية إقليمية متكاملة.
وترى الدراسة أن هجوم السابع من أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل جاء – وفق تقديرها – بهدف إحباط مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي، ومنع اندماج إسرائيل في منظومة إقليمية جديدة كانت تتشكل برعاية أمريكية. لذلك، تدعو إلى إعادة تعريف مفهوم “النصر”، بحيث لا يقتصر على إضعاف حركة حماس، وإنما يشمل استكمال التطبيع مع السعودية، وتوسيع اتفاقيات أبراهام، وتقليص النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان.
وفي الملف الفلسطيني، توصي الدراسة بالتخلي عن الجدل التقليدي حول “حل الدولتين”، واستبداله بما تسميه “خارطة طريق وظيفية” تقوم على إصلاح السلطة الفلسطينية وربط أي تقدم سياسي بمعايير أمنية صارمة، تشمل نزع السلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، ووقف ما تصفه بالتحريض، مع استمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. كما تقترح دمج سلطة فلسطينية “مجددة” تدريجيًا في إدارة قطاع غزة بعد إنهاء حكم حماس، وفق مبدأ “الأداء مقابل التقدم”.
وتمنح الدراسة السعودية دورًا محوريًا في الاستراتيجية المقترحة، معتبرة أن رغبة واشنطن في إبرام اتفاق دفاعي مع الرياض تمثل فرصة لإسرائيل لإعادة صياغة مسار التطبيع، عبر تقديم صيغة سياسية تمنح المملكة “أفقًا سياسيًا” للفلسطينيين، لكنه مشروط بإصلاحات أمنية وإدارية واسعة، بما يحول الضغط الأمريكي نحو السلطة الفلسطينية بدلاً من إسرائيل.
كما تدعو الدراسة إلى فتح مسار أمني مع سوريا، معتبرة أن التفاهم مع دمشق يمكن أن يحد من النفوذ الإيراني والتركي، ويخفف الأعباء العسكرية على إسرائيل، ويحسن صورتها الدولية، بالتوازي مع تسريع التفاهمات مع الحكومة اللبنانية وربط أي دعم اقتصادي خليجي أو دولي للبنان بإضعاف حزب الله، وانسحابه إلى شمال نهر الليطاني، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.
وتحذر الدراسة من الدور التركي، وتصف أنقرة بأنها قد تكون أبرز معرقل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي الجديد، وتقترح مواجهتها عبر تعزيز التنسيق مع مصر والسعودية واليونان وقبرص، وإطلاق تفاهمات مع سوريا، والاستفادة من النفوذ الأمريكي للضغط اقتصاديًا وسياسيًا على تركيا إذا حاولت تعطيل ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي الشأن الداخلي، ترى الدراسة أن أكبر عقبة أمام تنفيذ هذه الرؤية ليست في البيئة الإقليمية، وإنما في المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث يحد اعتماد الحكومة على أحزاب اليمين المتشدد من قدرة القيادة على تبني أي خطوات تتعلق بإصلاح السلطة الفلسطينية أو إطلاق مسار سياسي، رغم اعتبارها ضرورية لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.
وتختتم الدراسة بالدعوة إلى انتقال إسرائيل من إدارة الصراع بمنطق ردود الفعل إلى استراتيجية شاملة تجمع بين المسارات الفلسطينية والسعودية والسورية واللبنانية في وقت واحد، معتبرة أن هذا التحول وحده كفيل بتحويل الإنجازات العسكرية إلى تغيير جيوسياسي دائم، وكسر ما تصفه بـ”الجمود الاستراتيجي”.