مقالات

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين شرعية الخطاب وانهيار الفعل السياسي

  المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين شرعية الخطاب وانهيار الفعل السياسي

في شهر أيار ٢٠٢٦، وفي ذكرى نكبة ١٩٤٨ عقدت حركة فتح مؤتمرها العام الثامن في مدينة رام الله في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حرب الإبادة على غزة، وتوسع الاستيطان، وتآكل النظام السياسي الفلسطيني، وانسداد أفق التسوية. ومن هنا فان عقد المؤتمر قد تم في زمن انهيار، وليس في زمن مراجعة امست ضرورة تفرضها ممارسات العدو التي تعيق الوصول الى تحقيق السلام المنشود. لكن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه ليس ما الذي قيل في المؤتمر، بل: هل كان المؤتمر لحظة مراجعة سياسية حقيقية، أم مجرد إعادة إنتاج للخطاب التقليدي في ظل انهيار الوقائع؟

  للأسف. فان انعقاد المؤتمر جاء متزامنا مع خروج الواقع الفلسطيني عن السيطرة، وفي سياق تراكمي من الانهيارات السياسية والميدانية التي شهدتها الساحة الفلسطينية منذ بدأت مرحلة أوسلو الثانية، بعد اغتيال رابين واستشهاد ياسر عرفات، وانتهاء الانتفاضة الثانية واستلام الرئيس عباس مقاليد الحكم في فلسطين. وقد تمثلت هذه الانهيارات السياسية والميدانية بما يلي:

·         الاستمرار في عملية أوسلو على الرغم من ان الطرف الاخر الإسرائيلي لم ينفذ بندا واحدا من مضمونها، وكذلك استمرار الانقسام الفلسطيني، واستمرار ادارته من خلال   حكومتين منفصلتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

  • الانقسام، وتفرد حركة حماس بإدارة غزة، سهل للعدو شن سبع حروب عليها وهي على التوالي عملية الرصاص المصبوب (معركة الفرقان) (٢٠٠٨ -٢٠٠٩)، عملية عامود السحاب (حجارة السجيل) (٢٠١٢)، عملية الجرف الصامد (العصف المأكول) (٢٠١٤)، معركة صيحة الفجر (٢٠١٩)، معركة حرس الاسوار (سيف القدس)، (٢٠٢١)، عملية الفجر الصادق (وحدة الساحات) (٢٠٢٢) عملية طوفان الأقصى (السيوف الحديدية) ٠٢٠٢٣-٢٠٢٦). هذه الحروب أدت إلى تدمير القطاع عدة مرات وأدت في النهاية الى تدمير ما يزيد على ٧٠ بالمئة من مباني غزة وقتل وجرح اكثر من مئتي ألف فلسطيني في مختلف مدن وقرى ومخيمات قطاع غزة.

  • احتلال وتجريف وتفكيك مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة وتهجير ما يزيد على ٦٠ الفا من سكانها.  

  • تغول الاستيطان حيث ارتفع عدد المستوطنين من ١١١الفا عام ١٩٩٣ الي ما يقارب ٧٥٠ ألف مستوطن في العام ٢٠٢٥، بينما تؤكد الأرقام ان إسرائيل تسيطر فعليا على ٤١٪ من مساحة الضفة وتهيمن على مساحة ٧٠٪ من المنطقة (ج) و٩٠٪ من منطقة الاغوار. وانتقل الاستيطان من سياسة التوسع التدريجي الى سياسة خلق وقائع دائمة على الأرض، شملت ازدياد اعداد البؤر والمزارع الاستيطانية بوتيرة غير مسبوقة، مع تسارع مشاريع الربط بين الكتل الاستيطانية الكبرى والقدس، وكنتيجة طبيعية لهذا   التوسع الاستيطاني، أصبحت إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا شبه مستحيلة، وهذا هو الهدف النهائي للسياسة الإسرائيلية. ناهيك عن اقتلاع الأشجار مصدر رزق المواطنين، وازدياد وتيرة اعتداءات المستوطنين على المواطنين في كل القرى الفلسطينية، خاصة في زمن حكومة اليمين المتطرف، دون اي تدخل لقوى الامن الفلسطيني لحماية المواطن والأرض.

  • تآكل العملية الديمقراطية وتعطيل الانتخابات وتفريغ المؤسسات التمثيلية، وقد تمثل ذلك بالإجراءات التالية: عدم اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لأكثر من عشرين سنة، وحل المجلس التشريعي الفلسطيني في ٢٢ ديسمبر ٢٠١٨، وتعطيل اجتماعات المؤسستين التشريعيتين لمنظمة التحرير الفلسطينية وهما المجلسين الوطني والمركزي، واستعمالهم فقط لتثبيت السلطة القائمة، فلم يعقد المجلس الوطني خلال الفترة من ١٩٩٦-٢٠٢٦، الا ثلاث دورات فقط، والتي كانت استجابة لمحطات سياسية وتنظيمية مفصلية مرت بها م ت ف أكثر من كونها دورات عادية دورية، وهي:  

١-دورة غزة ١٩٩٦وقد عُقدت لتثبيت التحول من مرحلة الكفاح المسلح الي مرحلة التسوية السياسية، ومنح الشرعية التنظيمية لاتفاق أوسلو، داخل مؤسسات منظمة التحرير، وتعديل الميثاق الفلسطيني.  

٢-دورة ٢٠٠٩ دورة استثنائية هدفها، استكمال النصاب القانوني وتجديد بعض المواقع القيادية. 

٣-دورة ٢٠١٨ والتي عقدت خصيصا لتجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير في ظل ازمة سياسية متصاعدة.

 وكانت إدارة شؤون منظمة التحرير تتم أساسا خلال هذه الفترة عبر المجلس المركزي والذي بدوره   عقد عدة دورات اتخذ فيها قرارات سياسية تتعلق بوقف التنسيق الأمني وتعليق الاعتراف بإسرائيل وإعادة النظر في الاتفاقات الموقعة معها، الا ان هذه القرارات كانت لامتصاص نقمة الشعب ولم تنفذ عمليا، وكذلك قرر المجلس رفض صفقة القرن، واستحداث منصب نائب لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ونائب لرئيس دولة فلسطين.

·         تعطيل الديموقراطية بهذا الشكل، واستمرار الانقسام اديا الى ان تُحكم فلسطين بمراسيم يصدرها الرئيس، وانحسرت مساحة الراي الاخر، وأصبحت الحريات الشخصية هدفا لأجهزة الامن.

·         غاب عن قيادة فتح والسلطة الفلسطينية، وهم يناقشون تداعيات السابع من أكتوبر، التمييز بين الموقف من حماس التي قادت الانقلاب الانقسامي، والموقف من مقاتلي غرة سواء كانوا قساميون او جهاديون او فتحاويون او جبهويون اومن فصائل منظمة التحرير المختلفة، الذين قاتلوا إسرائيل بطريقة لم نعهدها من قبل، الذين بصمودهم وبتضحيات اهل غزة غير المسبوق، غيروا العالم واعادوا فلسطين على الخريطة السياسية الدولية. عدم التمييز بين هذين الموقفين ساهم في كي الوعي الفلسطيني وجعل بعضنا يحلل ويتحدث، سواء كان يدري او لا يدري، وكأنه في خندق العدو وفي مواجهة شعبه وقضيته المقدسة. وهنا لا بد من التنويه بان الاعترافات الدولية بدولة فلسطين التي حدثت خلال فترة حرب الإبادة والتجويع على غزة، لم تكن الا نتيجة لحجم الدم الفلسطيني الذي نزف، وصمود المقاتلين والمواطنين في غزة، إضافة الى النازية والبربرية والهمجية التي مارستها إسرائيل والتي أدت الى تغيير الراي العام العالمي ضد إسرائيل من خلال المظاهرات التي نظمها مناصرو فلسطين وأبناء جالياتنا في كل العواصم والمدن العالمية.

·         اتساع دائرة الفساد المالي والذي أدى الى انحسار حجم الدعم الإقليمي والدولي لفلسطين، إضافة الى مصادرة أموال المقاصة من قبل إسرائيل، الامر الذي انعكس على الاقتصاد الفلسطيني وكذلك على عائلات موظفي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية نتيجة الاحجام عن دفع رواتب الموظفين كاملة.

·         مواقف القيادة الرسمية من احداث السابع من أكتوبر، الذي منعها من ان تكون طرفا في محاولات إيقاف الحرب على قطاع غزة، إضافة الى انحسار المساحة الديموقراطية في فلسطين، وتعاظم مساحة الفساد، أضعف هذه القيادة وعزلها عن اللقاءات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب على غزة.

·         موقف القيادة الفلسطينية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ولبنان، الأولى ثم الثانية، كان استجابة لمعادلات مراكز القوى، أكثر منه لتطلعات الشعب الفلسطيني، على الرغم من ان القضية الفلسطينية هي لب الصراع في المنطقة ومنها هاتين الحربين.،

·         تداعيات السابع من أكتوبر، وحرب الإبادة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على غزة، وما تبعها من حروب علي لبنان وإيران. وفشل هذه الحروب، في تحقيق أهدافها، رغم الخسائر غير المسبوقة التي احدثتها، وخاصة في غزة، ادى الى عزل دولة إسرائيل عالميا والى شرخ في العلاقات بين اليهود والصهيونية، وبين اليهودية الدينية وبين المسيحية الصهيونية، وبين إسرائيل وأوروبا الرسمية، بينما الأجيال الشابة في مختلف انحاء العالم، وهم قادة المستقبل وخاصة في الولايات المتحدة، جعلت فلسطين تتربع في قلوب كافة الشعوب في مدن وعواصم العالم.

هذا الواقع لا يعكس أزمة عابرة، بل تحولًا بنيويًا في بنية الصراع نفسه، حيث تتراجع إمكانية الحل السياسي تدريجيًا لصالح إدارة الصراع لا حله، مع وجود بقعة ضوء اشعلتها الحروب الأخيرة في المنطقة، ويجب استثمارها.

 ما يهم في سرد كل ذلك هو انه على اللجنة المركزية لحركة فتح  ان تقدم لكوادر فتح وقواعدها، وللشعب الفلسطيني اثناء انعقاد المؤتمر الثامن، ما قامت به من جهد لحماية الأرض من الاستيطان، وحماية الشعب من المستوطنين، وحماية الديموقراطية، ومحاربة الفساد المالي والإداري والسياسي، وماذا كان موقفها من حرب الإبادة والتجويع التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وما هي الاجراءات التي اتخذتها من موضوع هدم مخيمات شمال الضفة وتهجير أهلها، كما يتحتم عليه تقييم مسار أوسلو واتخاذ القرار السياسي الذي يحفظ الحقوق السياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، كما يتحتم على المؤتمر الثامن ان يتخذ القرارات اللازمة لاستثمار المتغيرات الدولية لصالح فلسطين، ويحمي المشروع الوطني الفلسطيني.

  هل حصل ذلك، وهل تم تحديد الأولويات السياسية للمرحلة القادمة، ماذا قال المؤتمر عن الاحتلال والاستيطان واوسلو، هل وضع خطة لاستثمار المتغيرات الدولية الإيجابية نحو القضية الفلسطينية.

 عند تحليلنا للبيان الختامي، يظهر لنا وكأنه خطاب توصيفي بلا أثر سياسي، ويظهر كذلك وبوضوح أنه أعاد إنتاج ثلاث طبقات خطابية:

 أولا: خطاب توصيف للاحتلال: حيث أعاد سرد مشهد شامل تضمن، حصار القدس وتهويدها، الإبادة في غزة، الاستيطان وعنف المستوطنين، اعتداءات الجيش على المخيمات، أزمة الأسرى والمقاصة. لكن هذا التوصيف، رغم دقته، ظل منفصلًا عن أي نتيجة سياسية أو إعادة تعريف للأدوات الفلسطينية.

ثانيا: -خطاب الشرعية الوطنية التقليدي: وفي هذا المجال ركز البيان على مركزية منظمة التحرير، ووحدة النظام السياسي، والتمسك بالثوابت، واستعادة الشرعية عبر المؤسسات، لكن دون أن يجيب عن السؤال الجوهري، كيف يمكن لمؤسسات فقدت فعاليتها أن تنتج شرعية سياسية جديدة؟

 ثالثا: خطاب النوايا الإصلاحية: وقد تحدث البيان عن الانتخابات، الحكم الرشيد، الشفافية، الإصلاح المؤسسي، لكن هذا الخطاب بقي في مستوى الإعلان الأخلاقي العام دون آليات تنفيذ، وجداول زمنية، أو مساءلة سياسية داخلية،

  الفجوة بين الواقع والقرار

ان أخطر ما في البيان ليس ما قاله، بل ما لم يقله. ففي الوقت الذي يعترف فيه بـ: انهيار غزة، وتوسع الاستيطان، وتعطيل الديمقراطية، وتراجع الدور الفلسطيني دوليًا فإنه لم ينتقل إلى اجراء مراجعة لمسار أوسلو، وإعادة تعريف وظيفة السلطة، ومساءلة الأداء القيادي، أو طرح أي بديل استراتيجي، وهنا تظهر الفجوة المركزية، اعتراف شامل بالأزمة مقابل عجز كامل عن إنتاج قرار تاريخي جديد.

  كما تظهر في الخطاب أزمة التمييز السياسي، حيث اظهر البيان الختامي خللا تحليليا خطيرا يتمثل في عدم التمييز بين: المقاومة الفلسطينية بكل مكوناتها، وبين الانقسام الداخلي الناتج عن الصراع على السلطة، هذا الخلط يؤدي إلى تشويش في تعريف الفاعل الوطني، وإضعاف القدرة على بناء خطاب جامع، وإعادة إنتاج انقسام الوعي الفلسطيني بدل معالجته.

وعلى الرغم من حجم التحولات، فإن المؤتمر الثامن لم يتخذ أي قطيعة سياسية مع المسار السابق، بل أعاد تثبيت نفس بنية القرار السياسي، ونفس أدوات إدارة الصراع، ونفس مرجعية أوسلو كإطار ضمني، ونفس مركزية القيادة دون مراجعة. وبذلك يمكن القول إن المؤتمر لم يكن لحظة تحول، بل إعادة إنتاج للنظام السياسي القائم وبمعنى آخر إعادة تثبيت للوضع القائم في لحظة انهيار شامل.

كما انه يمكننا القول إن المؤتمر الثامن لحركة فتح مثّل لحظة خطابية مكثفة في وصف المأساة الفلسطينية، لكنه في المقابل لم ينجح في تحويل هذا الوصف إلى فعل سياسي. فالبيان الختامي، رغم امتلائه بالمفردات الوطنية الكبرى، ظل أسير معادلة مألوفة: توصيف دقيق للأزمة في ظل غياب كامل للقرار السياسي، أي انه يحرص على ابراز شرعية الخطاب في لحظة انسداد الفعل، وفي ظل التحولات العنيفة التي يشهدها الصراع، يصبح هذا النوع من الخطاب أقرب إلى إدارة رمزية للأزمة منه إلى محاولة حقيقية للخروج منها. وبذلك، يظل السؤال مفتوحًا:
هل ما زال بالإمكان إنتاج مشروع وطني جديد، أم أن البنية السياسية القائمة أصبحت عاجزة عن تجاوز نفسها؟

 لم تقتصر الإشكاليات التي رافقت المؤتمر الثامن على مستوى الخطاب السياسي أو مضمون البيان الختامي، بل امتدت إلى البنية التنظيمية وآليات إنتاج القيادة داخل الحركة. فقد سُجلت خلال مرحلة التحضير وأثناء انعقاد المؤتمر ممارسات غير مسبوقة في تاريخ فتح، تمثلت في توسيع العضوية على أسس عشائرية ومناطقية، وفي بعض الحالات ضمّ عناصر لا تنتمي إلى السياق النضالي التقليدي للحركة مثل مرافقين وسائقين.
كما شهدت العملية الانتخابية تحولًا لافتًا في أدوات الدعاية، مع اعتماد واسع على وسائل التواصل الاجتماعي لأول مرة، حيث ركزت الحملات على البعد العائلي والرمزي (ابن فلان أو بنت فلان) أكثر من التركيز على البرنامج السياسي أو الموقف من الاحتلال والاستيطان.
والأكثر دلالة أن الخطاب الانتخابي في كثير من الحالات خلا من الإشارة إلى جوهر الصراع الوطني، بما يعكس انتقال المنافسة من مستوى المشروع السياسي إلى مستوى الانتماء الاجتماعي والشخصي، وهو ما يشير إلى تراجع البعد الكفاحي لصالح منطق تمثيلي أقرب إلى إعادة إنتاج المكانة داخل بنية مغلقة.