امبراطورية الإبادة تمضي نحو الانحدار
احتفلت الولايات المتحدة الأميركية يوم السبت في 4 تموز / يوليو 2026، بذكرى تأسيسها ال 250، هذه الدولة – الإمبراطورية ولدت من رحم الجحيم والابادة الجماعية لشعب البلاد الأصليين من الهنود الحمر، التي نفذها المستعمرون البيض العنصريون، ووفق العديد من المصادر الأميركية والأوروبية والروسية، أبادوا ما يزيد عن 105 مليون من الهنود ولم تتوقف الحرب عند حدود إبادة الغالبية العظمى من سكان البلاد الأصليين، حيث برزت صراعات داخلية حادة، أدت لنشوب حرب أهلية بين الاتحاد والولايات الانفصالية الاحدى عشر التي شكلت ولايات كونفدرالية فيما بينها بين 1861 الى 1865، وهي الحرب الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة، سقط فيها نصف مليون أميركي، وفاز فيها الاتحاد.
وبنت استراتيجيتها مع نهاية القرن ال 19 على التوسع في دول اميركا اللاتينية، التي حولتها الى جمهوريات موز، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية 1939، انتهجت استراتيجية جديدة عنوانها السيطرة على العالم، بعدما تربعت على عرش معسكر الغرب الامبريالي مع هزيمة بريطانيا وفرنسا في حرب السويس 1956، وتآكل مكانة الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغيب عن أراضيها، وخاضت الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ تأسيسها في 1776، أكثر من 200 حرب وصراع وتدخل عسكري حول العالم، يصنف منها نحو 12 صراعا كبيرا رسميا كحروب كبرى، مع أن الكونغرس لم يعلن حالة الحرب رسميا منذ عام 1942.
ولم يتوقف النظام الامبريالي الأميركي عن ملاحقة خصومه واعداءه في الداخل الأميركي، حيث بدأ جوزيف مكارثي حملة في شباط / فبراير 1950، ضد أصحاب الرأي الآخر، وادعى امتلاكه قائمة بأسماء مئات الشيوعيين المتغلغلين في وزارة الخارجية الأميركية، واستغل منصبه كرئيس للجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات في مجلس الشيوخ لعقد جلسات استماع علنية اتسمت بالترهيب والتشهير، مستهدفا موظفي الحكومة، والفنانين، والكتاب والأكاديميين. وهي حملة قمع سياسي وإرهاب فكري خلال فترة "الخوف الأحمر"، تميزت بتوجه اتهامات بالخيانة والشيوعية دون ادلة، مما أدى الى فصل الاف الأبرياء من وظائفهم وتشويه سمعتهم.
والمكارثية لم تتوقف يوما في الولايات المتحدة، ومن يتابع الان التحريض على معارضي الإدارة الأميركية الحالية برئاسة دونالد ترمب يدرك هذه الحقيقة، حيث يوجه التهم بالخيانة والشيوعية لخصومه من الاميركيين، كما أن ادارته لاحقت وتلاحق الفنانين والكتاب والسياسيين المعارضين لنهجه السياسي، وكل من يهاجم دولة إسرائيل والحركة الصهيونية وذراعها "الايباك" يطلقون عليه تهمة "معاداة السامية"، ويتم التشهير بهم والقدح والذم والطرد من العمل.
وهذا النهج يؤكد ان الولايات المتحدة تعيش ازمة الديمقراطية، وحرية الرأي محدودة وضيقة، وبما لا يتعارض مع سياسات النظام السياسي إن كان من الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري، مع اختلاف نسبي بسيط، فضلا عن ذلك دولة بمكانة الولايات المتحدة الإمبراطورية المعاصرة تقتصر في التداول السلمي على السلطة بين حزبين من تركيبة وطبقة واحدة، طبقة الاوليغارشية، أباطرة رأس المال المالي! أَيعقل ذلك؟ هل المشكلة في القوى والنخب السياسية، أم في النظام البوليسي الذي تقوده الدولة العميقة الذي يلاحق سرا وعلنا المعارضة الحقيقية؟ رغم التطور الهائل والعظيم في مجالات العلم والتكنولوجيا والتطور الاقتصادي والعسكري والسبراني، الذي ساهم في تربع الولايات المتحدة على عرش الامبراطورية على مدار العقود الثمانية الماضية،
غير أن مكانة الإمبراطورية الأميركية آخذ في الانحدار، ولم تعد الولايات المتحدة هي ذاتها، لأن الانزياح في المكانة العالمية يسير بخطى تدريجية نحو الانزلاق الى متاهة غياب شمسها، رغم غطرسة قيادتها، ومن بين علامات التراجع في مكانتها، صعود ترمب على رأسها، الذي يقول الشيء ونقيضه، ويطلق الوعد تلو الوعد، ثم يمارس عكسه، قال ترمب "بدأت حياتي في زمن الحرب العالمية الثانية، ويبدو أنها قد تنتهي – إذا صح تقديره – في زمن حرب أخرى، ومن مفارقات الرئيس ال 47 الذي اشتهر خلال ولايته الأولى، بأنه لم يزج بالولايات المتحدة في حرب جديدة، كان يكرر أنذاك أن بلاده ينبغي أن تتوقف عن خوض "الحروب التي لا نهاية لها" و"الحروب الأبدية". وتابع ذات الخطاب في اثناء حملته الانتخابية في 2024، عندما تعهد بأن تكون مهمته إبعاد "دعاة الحرب وأنصار العولمة المتخاذلين تجاه اميركا" عن موقع النفوذ. لكن ماذا رأى العالم خلال عام ونصف من ولايته الثانية؟ حرب تلو الحرب، وآخرها الحرب على إيران وحرب الرسوم الجمركية والحرب الاقتصادية، وقبلها المشاركة في الحرب مع إسرائيل على قطاع غزة وعلى الشعب والقيادة الفلسطينية، التي كانت ومازالت أُس كل الحروب في الشرق الأوسط. وبالتالي مفاخرته بمعارضة "الحروب الأبدية" تؤكد المعطيات انه متورطا ومنخرطا فيها من رأسه حتى أخمص قدميه، أضف الى أن هذا الرجل بلغ به الغرور والنرجسية حتى بات يعتبر نفسه "متماثلا مع السيد المسيح"، وأن بإمكانه ان يفعل كل شيء دون حساب اية ردود فعل، أو تداعيات تهدد مكانة الولايات المتحدة وعلاقاتها مع الدول وخاصة الحلفاء.
يقول الفرد مكوي، صاحب كتاب الحرب الباردة في خمس قارات، الذي رأى منذ وقت مبكر أن الحرب في مضيق هرمز ستكون خطوة أخرى على طريق انحدار الإمبراطورية الأميركية، وهو يحاول وضع الأزمة الراهنة مع إيران في سياقها التاريخي الاوسع. وقبل الفي عام، قدم المؤرخ الاغريقي بلوتارخ وصفا بالغ الدقة لما يسميه المحدثون "العسكرة الجزئية". فالإمبراطوريات، حين تدخل طور الانحدار، كما كانت أثينا قديما، وكما تبدو الولايات المتحدة اليوم، كثيرا ما يستجيب قادتها لهذا التراجع برد فعل عاطفي، فيلجؤون الى مغامرات عسكرية تبدو جزئية في ظاهرها، طمعا في استعادة مجد آخذ في الافول. غير أن هذه المغامرات لا تستعيد أمجاد الماضي، بل تعجل بانحدار الإمبراطورية، وتستنزف ما بقي لها من قوة وهيبة، كما تكشف في الوقت نفسه عن أزمة أخلاقية عميقة داخل طبقتها الحاكمة.
نعم هذا هو شأن الإمبراطورية الأميركية الماضية نحو الانحدار نتاج سياسات قادة الإدارة الحالية، التي عمقت الازمة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية، ولم يترك دونالد ترمب حليفا الا ووجه سهامه له، وتساوق مع اداته الوظيفية رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني، والحرب على النظام الفارسي في 28 فبراير الماضي، مما ضاعف من تآكل مكانة الولايات المتحدة. ومن يعيش زمنا متواضعا سيشهد الانحدار الكبير.