آراء مختارة

الثقافة المعاصرة تفقد قدرتها على القراءة.. وهذه صورة معكوسة لأعمال هوميروس

الثقافة المعاصرة تفقد قدرتها على القراءة.. وهذه صورة معكوسة لأعمال هوميروس

حدث ذلك عام 1177 قبل الميلاد. فقد انهارت، الواحدة تلو الأخرى، الممالك التي ازدهرت حول البحر المتوسط طوال مئات السنين في العصر البرونزي. ففي منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، كانت منطقتنا تضم حضارة متطورة للغاية، لا تقل في مستوى تعقيدها عن حضارات ظهرت بعد ذلك بقرون طويلة. وكان حوض البحر المتوسط مترابطًا بشبكات تجارة وعلاقات دبلوماسية واسعة، فيما كانت الرسائل المكتوبة بالخط المسماري تنتقل بين الإمبراطورية الحيثية والمملكة البابلية في الشرق، مرورًا بكنعان ومصر، وصولًا إلى المدن الميسينية في اليونان.

قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، كان ذلك عصرًا من العولمة، وإن كانت عولمة محصورة في حوض البحر المتوسط. ففي المدن التي قامت في اليونان الحالية شُيدت قصور ضخمة، وفي جزيرة كريت وُجدت أنظمة للمياه الجارية، بل وحتى مراحيض، لن يظهر مثيل لها بالمستوى نفسه من التطور إلا بعد آلاف السنين.

ثم انهار كل ذلك.

إن انهيار حضارة العصر البرونزي يعد أحد أكبر ألغاز التاريخ. ولم يحدث هذا الانهيار دفعة واحدة، بل استمر لعقود، وإن كانت غزوات “شعوب البحر” لمصر عام 1177 قبل الميلاد تُعد نقطة التحول الأساسية.

ويعدد كتاب إريك هـ. كلاين، “1177 قبل الميلاد: العام الذي انهارت فيه الحضارة”، مجموعة من العوامل المتداخلة التي قادت إلى ذلك: التغيرات المناخية، والزلازل، والأزمات السياسية، وأخيرًا غزوات الشعوب التي دمرت المدن. وقد شكلت هذه العوامل معًا “عاصفة كاملة” أدت إلى انهيار الأنظمة.

وقد تحول كتاب كلاين، الصادر عام 2014، إلى أحد أكثر الكتب مبيعًا عالميًا، ليس فقط بسبب اهتمامه بالماضي، بل لأن انهيار العصر البرونزي يدفع إلى التفكير في الأزمات المتشابكة التي يعيشها عالمنا اليوم. فنحن أيضًا نعيش في ظل مخاوف من نهاية الحضارة بصورتها المألوفة.

وتكشف اللقى الأثرية الخاصة بالقرون اللاحقة عن واقع مختلف تمامًا، يوصف أحيانًا بـ”العصر المظلم”. فقد تراجع عدد السكان، واختفت القصور، وانخفضت الروابط الإقليمية بصورة حادة. وأصبح استخدام الكتابة نادرًا، بينما اندثرت تقنيات كثيرة. لقد كانت مرحلة أشبه بعالم ما بعد الكارثة. ولم تنجُ الحضارة الميسينية المزدهرة من تلك الأزمة، وكادت أن تُنسى بالكامل. لكنها لم تُنسَ تمامًا، إذ بقي منها أثر ما، تجسد في أشهر وأهم أعمال الثقافة اليونانية، وربما الثقافة الغربية كلها: الإلياذة والأوديسة لهوميروس.

ويُعتقد أن هوميروس كتب أعماله في القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد، أي بعد نحو ستمئة عام من سقوط الحضارة الميسينية. ولم يكن يعلم بوجود حضارة سبقت الحضارة اليونانية التي عاش فيها.

وكما كتب موسى آي. فنلي في كتابه الكلاسيكي “عالم أوديسيوس”، فإن الإلياذة والأوديسة “تتطلعان إلى عصر انقضى ولم يعد موجودًا”.

فأبطال هوميروس ملوك يعيشون في قصور كبيرة كما كان الحال في العصر الميسيني، وهي قصور لم تعد موجودة في زمنه. وكما كان الميسينيون، فإنهم يتنقلون بعربات حربية، وتصنع أسلحتهم من البرونز. ومع ذلك، لم يكن هوميروس يعرف حقًا كيف كانت تبدو تلك التقنيات أو كيف كانت تعمل، ولذلك جاءت أوصافه لها مشوهة، تمزج بين خصائص ذلك العصر وخصائص زمنه هو.

أما الأوديسة، التي تدور أحداثها بعد تدمير طروادة، فهي تعكس – بحسب عدد من المؤرخين – خيالات ومخاوف الواقع السياسي الذي نشأ بعد عصر الفوضى.

فالبطل أوديسيوس يجوب العالم ويواجه الوحوش؛ مثل السيرينات، وسكيلا وخاريبديس، والعملاق بوليفيموس. وهذه جميعها كائنات تمثل الفوضى وغياب الحضارة.

فالسيكلوب، على سبيل المثال، يأكلون لحوم البشر ويعيشون في الكهوف بلا مجتمع منظم. إنه، إذن، عالم ما بعد الكارثة.

محاربة الوحوش

في الوقت الذي يحتشد فيه ملايين البشر أمام دور السينما، ويتنافسون على بطاقات مشاهدة فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان، يجدر التساؤل: ما سر القوة التي تتمتع بها هذه الأعمال، والتي حافظت على حضورها طوال آلاف السنين؟

لقد ذهب بعضهم إلى أن أعمال هوميروس هي البرهان القاطع على أن الثقافة الإنسانية لا تتقدم، بل تتراجع، وأن ذروتها كانت في الماضي السحيق.

وقد كتب الكاتب الإيطالي روبرتو كالاسو، إن أي مفهوم للتقدم يدحضه وجود الإلياذة ذاته. فالكمال الذي يتجلى في هذا العمل الأول يجعل كل فكرة عن التحسن اللاحق تبدو مثيرة للسخرية.”

لكن ربما لا تكمن أهمية أعمال هوميروس في قدمها فحسب، بل في أنها، بطرق مختلفة، تمثل صورة معكوسة لعالمنا. ولعالم أوديسيوس سمة أخرى مهمة: إنه عالم يكاد يخلو من الكتابة. فعلى امتداد الإلياذة والأوديسة لا يرد سوى ذكر واحد عابر للكتابة.

وقد دار بين الباحثين جدل طويل حول ما إذا كان هوميروس نفسه يعرف القراءة والكتابة، أم أن هذين العملين أُلِّفا شفهيًا. لكن المؤكد أنهما ينتميان إلى عالم كانت فيه معرفة القراءة والكتابة نادرة.

ولعدة قرون، انتقلت القصيدتان شفهيًا على ألسنة المنشدين الجوالين الذين كانوا يحفظونهما ويرددونهما.

وقد ساعد على ذلك أن نصوص هوميروس تتكون من صيغ ثابتة ومتكررة. فأوديسيوس يظهر مرارًا بوصفه “أوديسيوس الحكيم”، بينما توصف الإلهة أثينا دائمًا بأنها “واسعة العينين”، وتوصف إيوس بأنها “وردية الأصابع”. وهناك مئات من هذه التراكيب الثابتة. ويرى بعض الباحثين أن هذه الصيغ تشبه ما نسميه اليوم “الميمات” (Memes)، أي القوالب المتكررة التي يمكن إعادة تركيبها بطرق متنوعة.

فقدان القدرة على القراءة

إن حضارتنا الحالية أيضًا تبتعد مرة أخرى عن القدرة على القراءة. ففي غضون سنوات قليلة فقط، فقد معظم أبناء عصرنا القدرة على قراءة النصوص الطويلة.

لكن هذه المرة لا يحدث ذلك بسبب كارثة أو غزو، بل بفعل تقنيات تستبدل الكلمة المكتوبة بالصورة المرئية، وتقنيات أخرى تقرأ وتكتب نيابة عنا. إننا نتخلى عن القراءة بإرادتنا، لكن هذا التخلي ينتج بشرًا سطحيين وجهلة، ويُسرّع العمليات التدميرية التي يشهدها المجال السياسي.

إننا نغرق مرة أخرى في عصر بربري.

ومع ذلك، حتى من قلب مثل هذا العصر، يمكن أن تنبثق ثقافة عظيمة. إن أوديسيوس، ذلك البطل القديم، يطل علينا من زمن آخر، زمن فوضوي وُلد من رحم كارثة. كان عالمًا سعى جاهدًا إلى الخروج من الجهل، وإعادة بناء النظام والمؤسسات. وبالنسبة للإغريق، أدى الأبطال الأسطوريون، مثل هرقل وثيسيوس، دورًا حاسمًا؛ إذ كان عليهم القضاء على الوحوش المتوحشة لتنظيف الأرض وإفساح المجال للحضارة، أي للمدن والقوانين والزراعة والأسرة.

لكن أوديسيوس يختلف عنهم.

فهو بطل أكثر دهاءً وتعقيدًا. نادرًا ما يقتل الوحوش، بل يعتمد غالبًا على خداعها أو الإفلات منها. وربما سيضطر أبطال المستقبل أيضًا إلى التعامل مع وحوش عصر الفوضى الراهن بالطريقة نفسها: أحيانًا بقتلها، وأحيانًا بخداعها، وأحيانًا بالتعايش معها بسلام.

عن هآرتس العبرية