مقالات

الاسقاطات العدمية والإصلاح

الاسقاطات العدمية والإصلاح

لا يمكن لأي باحث أو خبير أو رجل دولة نفي الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري لمطلق نظام سياسي، والسقوط في الفلسفة العدمية، طالما المرء لا ينادي بالثورة الاجتماعية الشاملة، ولا يدعو الى التغيير الجذري لبنية ومركبات النظام السياسي، ويحصر هدفه في دائرة الإصلاح، وتصويب وتعديل وتطوير اليات العمل في مؤسسات نظام سياسي بعينه، فإن الامكانية قابلة للتحقق بنسب متفاوتة، بمعنى آخر، بمقدار ما يستجيب أي نظام سياسي للشروط الذاتية والموضوعية، ويضع الأصبع على الجروح، بمقدار ما يتمكن من الاستجابة لحالة التعافي، وتحقيق خطوات جادة على طريق الخروج من الازمات وحالات التعثر والارباك. وهذا مرهون بمدى جدية القائمين على النظام في ولوج عملية الإصلاح الحقيقي.

لما تقدم عميق الصلة، بمقابلة الدكتور سلام فياض، رئيس الوزراء الأسبق لعدد من حكومات السلطة الوطنية، حيث تولى رئاسة الحكومات الفلسطينية من 2007، بعد انقلاب حركة حماس على الشرعية الوطنية حتى 2013، مع رئيس تحرير مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، دان كورتز فيلان، على هامش "منتدى أسبين الأمني"، المنشورة يوم الجمعة 24 تموز / يوليو الحالي، وردا على سؤال حول إمكانية إصلاح السلطة الوطنية بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، نفى قطعيا إمكانية الإصلاح، وأكد جازما بأنها "باتت غير قابلة للإصلاح"، وشّدد على أن معالجة الازمة الراهنة تتطلب إعادة هيكلة سياسية شاملة بدل من الاقتصار على الإصلاحات الإدارية أو التكنوقراطية. وكأنه يدعو للتغيير الجذري أو الثورة الكاملة

أعتقد أن موقف فياض جانب الصواب، من حيث رفضه المبدئي لإمكانية الإصلاح، لأن شرط الإصلاح قابل للقسمة على السلطة وحكومتها في المحطات اللاحقة حتى اللحظة المعاشة وما بعدها، ولا يمكن القطع أو النفي الكلي له. كما أن الحكومات التي تعاقبت بعد حكومات أبو خالد جاءت استمراراً لما أصل له هو شخصيا. وفي إصرار من رجل الدولة الفلسطيني السابق على منطقه وموقفه المجانب للصواب، يقول إن اختزال أزمة الحكم في "تحسين الكفاءة الإدارية" يعد تشخيصا قاصراً، مشيرا الى انه "لو أصبحت السلطة بأعلى درجات الكفاءة الإدارية مثلا، فلن يكون ذلك وحده كافيا لمنحها الشرعية والتوافق الوطني لتمثيل قطاع غزة والضفة الغربية." والسؤال المباشر للدكتور فياض، هل تمكنت شخصيا في حكوماتك المتعاقبة من تمثيل قطاع غزة والضفة الغربية؟ هل قبلت حركة حماس تحديدا المنقلبة على الشرعية الوطنية من قبول تمثيل حكوماتك للقطاع والولاية عليه، كونها هي صاحبة الولاية السياسية والقانونية والإدارية على أراضي السلطة الوطنية؟ ألم توقع قيادة المنظمة والسلطة والحكومة وحركة فتح على ورقة المصالحة المصرية في 2009؟ من الذي رفض التوقيع عليها آنذاك؟ ومتى وقع عليها خالد مشعل رئيس الحركة آنذاك، اليس بعد تطورات ما يسمى "الربيع العربي"، وهيمنة الاخوان المسلمين على مقاليد الأمور عمليا في أيار / مايو 2011؟

وبعد أن يحمل رئيس الوزراء الأسبق القيادة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس محمود عباس، مسؤولية غياب المبادرة السياسية وإيجاد فراغ في التمثيل الوطني خلال الازمة، مؤكدا أن القيادة تنصلت من دورها في البداية بدعوى أن الاحداث تخص فصيلا بعينه، وبالعودة لجادة السؤال، هل ما ذكره فياض صحيحا أم مجافي للحقيقة؟ مؤكد ان الازمة لا تخص فصيلا بعينه، والازمة عامة تطال القوى والسلطة عموما، ولكن فصيلا بعينه عمق الازمات، وخطف الجناح الجنوبي وأصر على ترسيخ وجوده في الامارة الحمساوية على القطاع وعلى حساب وحدة الأرض والنظام والمشروع الوطني، ولا علاقة لذلك بالأزمة العامة، انما لها علاقة بمشروع الاخوان المسلمين الرافض لمبدأ وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي الواحد والمشروع الوطني ولدور ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية من حيث المبدأ، وسعى في العديد من المحطات لخلق مرجعية فئوية طاردة للوحدة الوطنية، لأنها لم تؤمن يوما بالوطنية الفلسطينية، رغم ادعاءاتها المتكررة عكس ذلك.

وفي تساوق مع رؤية بعض الفصائل المتجاورة مع حركة حماس، يسوق فياض موافقة وتوقيع الفصائل بما فيها (فتح وحماس) على بيان بكين في تموز / يوليو 204، والجميع يعلم، ان موافقة حركة حماس لم تكن صادقة، انما كان ممرا اجباريا تحت ضغط الفصائل والأصدقاء الصينيين، وليس لأن الرئيس عباس وباقي فصائل المنظمة رفضت تفعيل "الإطار القيادي الموحد" وتشكيل حكومة وفاق وطني، والجميع يعلم أن ما يسمى الاطار القيادي الموحد جاء طرحه للالتفاف على قيادة المنظمة، وإطارا موازيا، وليس رفضا لتمثيل الفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة وخاصة حركتي الجهاد وحماس، انما لرفض تلك الفصائل الانضواء تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي تناقض مع النفي القاطع للإصلاح، يعود د. فياض الى خيار الإصلاح، او كما سماه "خارطة طريق من مرحلتين: الداخل والدبلوماسية الدولية"، وعاد مجددا ليدعو الى، تفعيل الإطار القيادي الموحد" لمظلمة م. ت. ف، ليشمل الفصائل غير المنضوية تحتها – حماس والجهاد -، ولا اريد ان اكرر نفسي فيما ذكرت آنفا بشأن الإطار، وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة (غير حزبية) لتولي إدارة الضفة والقطاع؛ والمسار الدولي يهدف الى تجاوز صيغة المفاوضات الثنائية غير المتكافئة، والعمل على استصدار قرار من مجلس الامن الدولي، يعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة على أراضي عام 1967 (الضفة الغربية بما فيها القدس وغزة)، ولا اريد ان اضيف الجزء الأخير المتعلق بالاعترافات بالدولة الفلسطينية. وتعليقي الأخير على خارطة رئيس الوزراء الأسبق، أولا عاد للإقرار بإمكانية تفعيل دور الإصلاح؛ ثانيا الا يعلم فياض أن منظمة التحرير والسلطة والحكومة في زمن رئاسته للحكومة، وما بعد زمنه، وحتى الان، أنها سعت عشرات المرات لاستصدار قرار من مجلس الامن للاعتراف بالدولة الفلسطينية ورفع مكانتها الى دولة عضو كامل في هيئة الأمم المتحدة، لكن الفيتو الأميركي كان سيفا مسلطا على رقاب مشاريع القرارات المختلفة. وهل هناك إمكانية الان في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب استصدار قرار أممي؟ الا يتابع الأستاذ في الجامعات الأميركية المحاربة الشرسة لأي توجه فلسطيني بهذا الصدد من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة؟ وما هي إمكانية الالتفاف على الفيتو الأميركي، عندما تصوت 14 دولة في مجلس الامن لصالح مشاريع القرارات الداعمة للقضية الفلسطينية، ويحول دون مرورها الفيتو الأميركي؟ ثالثا أرى من الضروري أن يراجع د فياض مواقفه المجانبة للصواب، وهذا لا يعني أن الوضع الفلسطيني عموما بخير، نحن في أزمة عامة، ونحتاج الى رؤى وخطوات عملية جادة للخروج من عنق الزجاجة، وأول الخطوات موافقة حركة حماس على التخلي عن خيار الامارة في القطاع؛ وثانيا القبول بمبدأ : نظام سياسي واحد، قانون واحد، سلاح واحد؛ ثالثا تولي الحكومة الفلسطينية مسؤولياتها الكاملة على القطاع اسوة بالضفة الغربية بما فيها القدس؛ رابعا اجراء الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني؛ خامسا انضمام حركة حماس والجهاد الإسلامي تحت راية منظمة التحرير ووفق برنامج وطني جامع للكل الوطني.