الأحلام والأوهام
الأحلام والأوهام وحوار عميق مع الذات، ركبت حافلة الباص وكنت أجلس بالمقعد الخلفى بجانب الباب حيث أحب الجلوس هناك، وفى عقلى خواطر كثيرة أجلس أتمعن وأفكر فى كل شيء، وفى كل محطة تتوقف الحافلة ليغادر بعض الركاب ويصعد آخرون جدد، وبينما كنت أنظر فى عيون الركاب قرأت الكثير من الخواطر بعضهم كان قد طبع تجارب عمر طويل من تلك الحياة فى نظرات عيونه وخطى بطيئه يصعد بها نحو المقعد المخصص لكبار السن وآخر شاب فى مقتبل العمر يحمل فى يدية كتب وقلم مازال نشيطا ومفعما بالحياة ويبقى واقفا لا حاجة للجلوس ربما هو ذاهب إلى الجامعة او العمل سيغادر بعد محطات قليلة، شاب يتعلم ومازال يرسم الأحلام لعلها تتحقق، فمازال لم يتعمق فى التجارب الواقعيه فمازالت الأحلام هى التى تحتل عيونه وحنايا روحه لعلها تتحقق .
محطة تلو المحطة والباص يمضى بنا وعلى رصيف المحطة التالية صعدت سيدة وبصحبتها عربة أطفال جالسا فيها طفل جميل فى عامة الأول يناظرني ويبتسم ببراءة الأطفال وكلما رآنى إبتسم فكنت ألعب معه الغميضة أضع يدي على عيونى ليراني وأنا استرق النظر إليه من بين أصابع يدى وفجأة أرفعها فيبتسم وأكرر ذلك مع إبتسامة، لست أدرى هل كنت أصنع إبتسامتى أو إبتسامته وهل كنت أخفى ما فى عيوني من صعوبات وهموم الحياة أو ماذا ؟
لكن ذلك الطفل الصغير أعاد لى ذكريات الحياة وجعلنى أتأمل كثيرا بأن لا شيء يستحق العناء فجميعنا ولدنا أبرياء نناظر ونبتسم وضحكات نخاطب بها الجميع .
كنا نريد أشياء كثيرة بهذه الحياة، تم كبرنا وكبرنا وبدأت معاناه الحياة وحين كبرنا قليلا ظننا أننا أقوياء وفينا طاقة يصعب قياسها ونشاط وحيوية وأمل وأحلام وأوهام وخيال ومزيج من الأشياء يصعب وصفها، كنا نظن بأن كل شيء سوف يتحقق وكل شيء متاح حتى كبرنا أكثر وأدركنا بأنه يجب أن نتخلى عن بعض الأحلام لربما نتمكن من تحقيق بعضها، ويبدأ التنازل عنها شيئا واحدا تم شيئا آخرا تم آخرا تم أدركنا أننا تخلينا عن معظم الأشياء ونسينا أنفسنا وضاعت وتاهت منا ذاتنا التى نسيناها ونحن نبحث عن الأحلام والأوهام وما نظن أنه تحقق هو بالحقيقة كان بديلا لما هو الأهم، ضاعت سنين العمر وضاعت معها ذاتنا تم أدركنا بأننا لا نريد شيئا سواهم ومن الصعب إستعادتهم، ويبدأ صراع جديد بعنوان كيف نحافظ على ما تبقى من الذات ونصبح مستعدين أن نتخلى عن كل شيء مقابل أن نحافظ على ما تبقى من الذات خوفا من ضياعها لأننا أدركنا متأخرا بأن الذات أهم من الأحلام والأوهام التى لا قيمه لها حين نفقد ذاتنا .
وكنا نمر بإشارات المرور بعضها خضراء نمضى قدما دون توقف وبعضها حمراء تجبرنا على الوقوف وهكذا كان يجب أن نتوقف فى محطات كثيرة من حياتنا لنبتعد عن الخطر مرورا نحو السلام الداخلي والتصالح مع النفس دون إرهاقها من أجل الآخرين .
تم توقفت الحافلة فى المحطة التالية وأنا أهم بالمغادرة نظرت للطفل مجددا وكانت رسالة قوية بنظرات طفل صغير حدثتني كثيرا بلغة العيون مصحوبه ببراءة وإبتسامة الأطفال ولوحت له بيدي ولوح لى بيده وغادرت الحافلة وأنا أحمل رسالة عميقة بأن لا شيء فى هذه الحياة يستحق ان ينسيك ذاتك فلا تسعى خلف الأوهام والأحلام وأسعى دوما خلف ذاتك ولا تجعلها تتوه منك مجددا، فإن تاهت من الصعب إستعادتها وسط الزحام والظلام وأعلم بأن الأوهام والأحلام بئر عميقه من يسقط فيها تسلب منه ذاته ويصعب العثور عليها وأننا أضعنا أهم ما نملك وهو الوقت .