أخبار

القارة العجوز تعيش كابوساً مناخياً مرعباً واشتباكات في باريس على "المكيفات" - تفاصيل

أوروبا بين فكي النيران والفيضانات..

القارة العجوز تعيش كابوساً مناخياً مرعباً واشتباكات في باريس على "المكيفات" - تفاصيل

متابعات: في مشهد يجمع تناقضات الطبيعة المتطرفة، تعيش أوروبا هذه الأيام كابوساً مناخياً متكاملاً، حيث تتعاقب الكوارث الطبيعية بوتيرة مذهلة: ففي الوقت الذي تحترق فيه غابات فرنسا والبرتغال واليونان تحت وطأة موجات حر قياسية، تغرق شوارع صقلية في فيضانات عارمة، بينما يجف شمال إيطاليا في أشد جفاف منذ عقود، إنها ليست مجرد ظواهر طبيعية معزولة، بل وجه واحد لقارة تخنقها التغيرات المناخية التي تتسارع بوتيرة تفوق كل التوقعات.

أوروبا تحترق.. حرائق الغابات تلتهم الجنوب

في جنوب فرنسا، لم تتوقف حرائق الغابات عن الانتشار منذ أسابيع، حيث التهمت النيران مئات الهكتارات من الغابات في مقاطعات أود، وإيرو، والبرانس الشرقية،  وأعلنت السلطات المحلية أنه تم نشر حوالي 800 رجل إطفاء و150 مركبة للسيطرة على النيران التي أتت على حوالي 900 هكتار من الغطاء النباتي.

وفي منطقة البرانس الشرقية، تم إجلاء حوالي 3,000 شخص، بين سائح وسكان محليين، بعد اندلاع حريق في بلدة سانت ماري لا مير. ودُمرت عدة مستودعات ويخت بسبب النيران، بينما غطى عمود كثيف من الدخان الأسود منطقة الشاطئ. وأصيب اثنان من رجال الإطفاء بإصابات طفيفة.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، إن البلاد سجلت منذ بداية الصيف حوالي 7,000 حريق، أتت على أكثر من 8,700 هكتار من الغابات، مع تعبئة أكثر من 1,200 رجل إطفاء يومياً.

البرتغال في حالة تأهب قصوى

في البرتغال، رفعت السلطات مستوى التأهب على الصعيد الوطني بعد أن سجلت 62 حريقاً في يوم واحد فقط، مما استدعى تعبئة حوالي 2,000 منقذ، وأكثر من 530 مركبة، و62 طائرة لمكافحتها. ووقعت أخطر الحرائق في منطقة فوزيلا، حيث تم نشر أكثر من 300 رجل إطفاء. وحذر المعهد البرتغالي لإدارة البحار والغلاف الجوي (IPMA) من موجة حر طويلة قد تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية، مع ليل حار يتجاوز 25 درجة في لشبونة وبورتو.

 اليونان: النار تأتي من جديد

انضمت اليونان إلى قائمة الدول المتضررة، حيث اندلعت حرائق غابات جديدة في مناطق متفرقة، مما استدعى إخلاء قرى بأكملها في ضواحي أثينا. وتكررت مشاهد الإجلاء الدرامي التي أصبحت مألوفة في الصيف اليوناني، مع تدمير عشرات المنازل وتهديد مناطق سكنية بأكملها.

فيضانات نيتشيمي: المياه تجتاح الشوارع

بينما كانت النيران تلتهم الغابات، هطلت أمطار غزيرة على بلدة نيتشيمي في صقلية، محولة الشوارع إلى أنهار جارفة. وجد العديد من المواطنين أنفسهم محاصرين داخل سياراتهم مع ارتفاع منسوب المياه بسرعة، واضطرت فرق الطوارئ إلى تنفيذ عمليات إنقاذ جريئة لإخراجهم. وغمرت المياه المتاجر والمنازل في المناطق المنخفضة، بينما أغلقت السلطات الطرق الرئيسية تحسباً لمزيد من الفيضانات.

 الجفاف يخنق شمال إيطاليا

في تناقض صارخ، يعاني شمال إيطاليا من أسوأ موجة جفاف في سنوات. أعلن إقليم فينيتو حالة الطوارئ بعد أن بلغ العجز الهيدرولوجي 28%، أي ما يعادل فقدان 2.4 مليار متر مكعب من المياه. وانخفضت تدفقات الأنهار الرئيسية مثل بو وبيافي وبرينتا بنسبة 21-23% مقارنة بمستوياتها المتوسطة.

أما في لومبارديا، فقد تجاوز العجز المائي 36%، وفي بعض الأحواض الرئيسية تجاوز 40%. واستنفدت احتياطيات المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج قبل أوانها بسبب الحرارة غير المسبوقة في أبريل ومايو. ومع انخفاض مستويات الخزانات إلى مستويات مثيرة للقلق قبل موسم الري الرئيسي، اضطرت السلطات إلى الإفراج عن ملايين الأمتار المكعبة من بحيرة كومو وبحيرة إيدرو لتخفيف الأزمة.

 حصيلة مأساوية في فرنسا

أعلنت وزيرة الصحة الفرنسية، ستيفاني ريست، أن البلاد سجلت 2,025 وفاة إضافية خلال الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 يونيو، أي بزيادة 30% عن الأسبوع السابق. ولا تزال الأرقام أولية لأنها تشمل فقط 60% من الوفيات المسجلة عبر الشهادات الإلكترونية. وأشارت الوزيرة إلى زيادة كبيرة في الوفيات بين الأشخاص فوق 45 عاماً وفي المنازل، مما يعكس معاناة الذين يعيشون بمفردهم.

المستشفيات تتحول إلى أفران

في المستشفيات غير المكيفة، وصف الأطباء الوضع بأنه "رهيب"، مع إصابة الممرضين والمسعفين بالإعياء بسبب الحرارة. ولجأ الأطباء والمرضى إلى لصق صفائح عاكسة على النوافذ للحماية من الشمس، بينما تعطلت أجهزة التنفس الصناعي في بعض المستشفيات بسبب انقطاع الكهرباء.

 فوضى في الشوارع: حرب المكيفات

اندفع مئات المواطنين إلى متاجر معروفة في باريس ومدن أخرى للحصول على المكيفات والمراوح بعد عرض 200 ألف جهاز، لكن الفوضى تحولت إلى تدافع واشتباكات، مما اضطر الشرطة إلى التدخل واستخدام الغاز المسيل للدموع وإغلاق المتاجر.

أوروبا عند مفترق طرق

ما يحدث في أوروبا ليس مجرد فصل صيف قاس، بل إنذار واضح لمستقبل مناخي قاتم، فالقارة التي كانت تعتبر نموذجاً للاعتدال المناخي أصبحت ساحة معركة بين الحرارة والجفاف من جهة، والفيضانات والعواصف من جهة أخرى. ومع توقع المزيد من الظواهر المتطرفة، يبدو أن أوروبا ستحتاج إلى إعادة بناء بنيتها التحتية بالكامل، والاستعداد لواقع جديد حيث الطبيعة لم تعد كما عرفناها.