أوروبا تعيد رسم علاقتها مع أمريكا.. تحقيق يكشف بداية فك الارتباط الاستراتيجي
عبر الأطلسي..
واشنطن: كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر الاستراتيجي، دفعت عدداً من الحكومات الأوروبية إلى دراسة سيناريوهات تقليل الاعتماد على واشنطن في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد، وسط قناعة متزايدة لدى بعض القادة الأوروبيين بأن التحالف التقليدي لم يعد مضموناً كما كان بعد الحرب العالمية الثانية.
وبحسب التحقيق، الذي استند إلى مقابلات مع رؤساء حكومات ووزراء ومستشارين ومسؤولين كبار، عقد نحو ثلاثين زعيماً أوروبياً اجتماعاً مغلقاً في مقر المجلس الأوروبي في بروكسل مطلع يناير/كانون الثاني 2026 لمناقشة تداعيات السياسات الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما تهديده بضم غرينلاند وفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين. ووصف بعض المشاركين الاجتماع بأنه “ليلة علاج نفسي” بسبب حجم القلق والانفعال الذي ساد المناقشات.
وأشار التحقيق إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون افتتح الاجتماع بالتأكيد أن أوروبا تقف أمام “خط لا عودة إلى الوراء”، معتبراً أن الاعتماد الأمني المفرط على الولايات المتحدة أصبح يمثل خطراً استراتيجياً، خصوصاً في ظل احتمالات حدوث مواجهة حول غرينلاند، بينما تمسكت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني آنذاك بإمكانية الحفاظ على التفاهم مع ترامب، رغم اعترافها لاحقاً بتزايد صعوبة ذلك.
وأوضح التحقيق أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لعب، رغم غيابه عن الاجتماع، دوراً مؤثراً في تشجيع القادة الأوروبيين على التفكير في مرحلة ما بعد الاعتماد الأمريكي، مستنداً إلى رؤية ترى أن الغرب أصبح يعتمد بصورة مفرطة على قوة واحدة باتت أكثر تقلباً، وهو ما يستدعي بناء بدائل استراتيجية مستقلة.
وفي هذا السياق، بدأت عدة دول أوروبية بالفعل اتخاذ خطوات عملية لفك الارتباط التدريجي مع الولايات المتحدة، شملت تقليص الاعتماد على البرمجيات والخدمات التقنية الأمريكية، وتشجيع استخدام حلول أوروبية مفتوحة المصدر، إضافة إلى استثمارات ضخمة في قطاعات الفضاء والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مع مراجعة قدرة الأنظمة العسكرية المصنعة أمريكياً على العمل بصورة مستقلة عن القرار الأمريكي. كما ساهمت الضربات الأمريكية على إيران وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا في تعزيز هذا التوجه.
وفي المقابل، يرصد التحقيق محاولة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته احتواء الأزمة عبر ما وصفه بسياسة “منح ترامب انتصاراً”، من خلال دعم رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بصورة تدريجية، واعتماد خطاب سياسي يتوافق مع أسلوب الرئيس الأمريكي بهدف الحفاظ على تماسك الحلف. كما لجأ عدد من القادة الأوروبيين إلى تعديل رسائلهم ومصطلحاتهم السياسية بما يتناسب مع طريقة ترامب في التواصل.
وسرد التحقيق عدداً من الوقائع التي جرت خلال لقاءات في البيت الأبيض، قال إنها عكست محدودية التأثير الأوروبي على قرارات الإدارة الأمريكية، من بينها اجتماعات دعم أوكرانيا التي انتهت باتصال هاتفي مطول بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام القادة الأوروبيين، فضلاً عن مواقف أخرى اعتبرها المشاركون دليلاً على صعوبة التنبؤ بسلوك الإدارة الأمريكية.
كما تناول التحقيق الخلافات داخل حلف الناتو بشأن رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهي النسبة التي اقترحت الولايات المتحدة اعتمادها، قبل التوصل إلى صيغة وسط تسمح باحتساب جزء من الإنفاق على البنية التحتية والأمن السيبراني ضمن الالتزامات الدفاعية، مع منح بعض الدول، وفي مقدمتها إسبانيا، هامشاً لتطبيق مسارها الخاص.
وأضاف التحقيق أن أجهزة استخبارات أوروبية وبريطانية قدمت تقييماً غير مسبوق لطبيعة الإدارة الأمريكية، معتبرة أنها تقوم على قرارات شخصية أكثر من اعتمادها على مؤسسات مستقرة، وهو ما عزز الشكوك الأوروبية بشأن إمكانية الاعتماد طويل الأمد على واشنطن كشريك استراتيجي.
ويخلص التحقيق إلى أن اجتماع بروكسل شكّل نقطة تحول في التفكير الأوروبي، إذ بدأت دول الاتحاد، للمرة الأولى منذ عقود، البحث بصورة جدية عن مسارات تمنحها قدراً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، دون أن يصل ذلك إلى قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة، في ظل استمرار الجهود للحفاظ على تماسك التحالف الغربي رغم تصاعد الخلافات السياسية والأمنية.