مقالات

الأمن الثقافي.. خط الدفاع الأول عن الهوية والرواية الوطنية

الأمن الثقافي.. خط الدفاع الأول عن الهوية والرواية الوطنية

في عالم يشهد تحولات متسارعة وثورة رقمية غير مسبوقة، لم تعد معارك الشعوب تقتصر على الحدود والجغرافيا، بل امتدت إلى الوعي والهوية والثقافة. وأصبحت الحروب الحديثة تستهدف العقول بقدر ما تستهدف الأرض، وتسعى إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية وتشويه الحقائق وإضعاف الانتماء الوطني. ومن هنا يبرز مفهوم الأمن الثقافي بوصفه أحد أهم ركائز الأمن الوطني، لأنه يحمي منظومة القيم واللغة والتراث والذاكرة الجمعية، ويصون الشخصية الوطنية من محاولات الطمس والتزييف والاختراق.

ولا يعني الأمن الثقافي الانغلاق أو رفض الانفتاح على الثقافات الأخرى، بل يقوم على تعزيز الثقة بالهوية الوطنية، والقدرة على التفاعل مع الثقافات الإنسانية المختلفة من موقع الندية والوعي، مع التمييز بين ما يثري الثقافة الوطنية وما يستهدف تفكيكها أو إضعافها. فالثقافات الحية هي التي تتطور وتتجدد، دون أن تفقد جذورها أو تتخلى عن ثوابتها.

وتواجه الشعوب اليوم تحديات ثقافية متصاعدة، تبدأ بانتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية، ولا تنتهي بمحاولات تزوير التاريخ وطمس الهوية الوطنية. وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب الأمن الثقافي أهمية استثنائية، لأن الصراع لا يدور على الأرض وحدها، بل يمتد إلى الرواية والذاكرة والحق التاريخي. لذلك، فإن الحفاظ على التراث الفلسطيني، واللغة، والأدب، والفنون، والموروث الشعبي، وتوثيق الجرائم والانتهاكات، يمثل شكلاً أصيلاً من أشكال المقاومة الثقافية، التي تحمي الهوية الوطنية وتواجه محاولات التزييف والسرقة والمصادرة.

ولا يمكن بناء منظومة فاعلة للأمن الثقافي من دون شراكة حقيقية بين الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ونقابة الصحفيين، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني. فهذه المؤسسات مطالبة بترسيخ قيم الانتماء الوطني، وتعزيز التفكير النقدي، وتشجيع القراءة والإبداع، وتمكين الشباب من التعامل الواعي والمسؤول مع الفضاء الرقمي، بما يعزز قدرتهم على مواجهة حملات التضليل والحرب النفسية.

ويؤدي الإعلام الوطني دورًا محوريًا في حماية الأمن الثقافي، ليس فقط من خلال نقل الأخبار، بل عبر إنتاج محتوى مهني يعزز الهوية الوطنية، ويحافظ على الرواية الفلسطينية، ويفضح حملات التضليل، ويبرز التاريخ والثقافة والتراث الفلسطيني للأجيال الجديدة وللعالم. كما تضطلع نقابة الصحفيين الفلسطينيين بمسؤولية مهمة في حماية الصحفيين، والارتقاء بالمهنة، والدفاع عن حرية الإعلام، بما يعزز قدرة الإعلام الوطني على أداء رسالته في صون الهوية الثقافية.

إن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا فكريًا، بل هو استثمار في الأمن والاستقرار والتنمية. فالمجتمعات التي تمتلك هوية ثقافية راسخة تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر تماسكًا في مواجهة محاولات التفكيك والإقصاء والهيمنة الثقافية.

وفي ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب تستهدف الإنسان والأرض والرواية، يصبح الأمن الثقافي خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية، وعن الذاكرة الجماعية، وعن حق الشعب الفلسطيني في رواية تاريخه وصون تراثه ونقله إلى الأجيال القادمة. فحماية الثقافة ليست دفاعًا عن الماضي فحسب، بل هي حماية للحاضر، واستثمار في المستقبل، وضمان لاستمرار الهوية الوطنية مهما اشتدت التحديات.