لفهم ما يجرى فى حرب إيران: الحسم المستحيل (1)
«في الحرب، كل شىء بسيط للغاية، لكن أبسط الأشياء هو الأصعب». هكذا لخص المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» إحدى الحقائق الأكثر رسوخاً في الاستراتيجيات العسكرية. وربما لا يوجد ما يُجسّد هذه الفكرة اليوم أكثر من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فكل طرف يمتلك من أدوات القوة ما يسمح له بإيلام خصمه، لكنه يفتقد في الوقت نفسه القدرة على فرض نصر نهائى يغيّر قواعد اللعبة.
خلال العقود الأربعة الماضية، تعايشت واشنطن وطهران مع ما يمكن وصفه بـ«الصراع المدار». تتغير الأدوات، وتتبدّل ساحات الاشتباك، لكن الهدف يظل واحداً: الضغط على الخصم إلى أقصى حد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة يدفع الجميع ثمنها. واليوم، ورغم التصعيد العسكري غير المسبوق، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، بل إن ما يجرى يؤكد أن الطرفين يقتربان من حدود القوة أكثر مما يقتربان من الحسم.
هذا الإدراك ليس جديداً. فقد خلصت دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية أمريكية إلى أن أي مواجهة مباشرة مع إيران ستتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة، لأن الجغرافيا الإيرانية، واتساع مسرح العمليات، وتعدّد أدوات الرد الإيرانية، تجعل من تحقيق نصر عسكري سريع أمراً بالغ الصعوبة. وفي المقابل، تدرك طهران أن قدرتها على الصمود لا تعني قدرتها على الانتصار، فالفارق الهائل في القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة لا يزال قائماً، مهما بلغت كفاءة أدوات الردع الإيرانية.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقى ليس: من ينتصر؟ بل: كيف يتجنّب الطرفان الهزيمة؟
الإجابة تكمن في طبيعة الحرب نفسها. فالولايات المتحدة لا تخوض حرباً من أجل احتلال إيران، كما حدث في العراق عام 2003، ولا تبدو مستعدة سياسياً أو اقتصادياً أو شعبياً لتحمل تكلفة عملية برية واسعة. لقد تركت تجربتا العراق وأفغانستان أثراً عميقاً في العقل الاستراتيجى الأمريكي، حتى إن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قال ذات مرة إن «الحروب أسهل في بدئها من إنهائها». أما دونالد ترامب، الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على رفض «الحروب التي لا تنتهي»، فيدرك أن أي تورّط برى واسع قد يتحول إلى عبء داخلى يُهدّد مستقبله السياسي أكثر مما يُحقّق مكاسب استراتيجية.
ولهذا، تبدو الضربات العسكرية الأمريكية محسوبة بعناية. فهي مؤلمة، لكنها لا تصل إلى مستوى استهداف البنية السكانية أو الدخول في مواجهة شاملة. هناك سقف غير مُعلن للعمليات، تحكمه قواعد اشتباك دقيقة، هدفها إضعاف الخصم لا دفعه إلى الانتحار أو إلى رد فعل يفرض حرباً مفتوحة.
في المقابل، لا تستطيع إيران أن تتصرّف باعتبارها دولة تبحث عن نصر عسكرى تقليدى. فمنذ عام 1979، بنت استراتيجيتها على فكرة «الردع غير المتماثل»، أى استخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة من المواجهة المباشرة. ولهذا ظل نفوذها الإقليمى، وشبكات الحلفاء، والممرات البحرية، والقدرات الصاروخية، عناصر أساسية في معادلة الردع، لأنها تمنحها القدرة على رفع تكلفة أي قرار أمريكي دون الدخول في مواجهة كلاسيكية تعرف مسبقاً أنها ليست في صالحها.
لكن هذه الأدوات نفسها تكشف حدود القوة الإيرانية. فإغلاق مضيق هرمز، أو تهديد الملاحة في باب المندب، أو توسيع نطاق الاشتباك عبر الحلفاء، ليست خيارات مجانية، بل تحمل مخاطر سياسية واقتصادية قد ترتد على طهران قبل غيرها. ولذلك فإن التلويح باستخدام هذه الأوراق غالباً ما يكون أكثر فاعلية من استخدامها الكامل.
ولهذا السبب أيضاً، لا يمكن فهم التصعيد الأخير، باعتباره مقدّمة لحرب شاملة، كما يذهب بعض المعلقين، ولا باعتباره مجرد استعراض للقوة. إنه أقرب إلى ما يسميه الباحثون في العلاقات الدولية «الدبلوماسية القسرية»، أى استخدام القوة العسكرية لتحسين الموقع التفاوضى، وليس لاستبدال التفاوض. ولعل هذه هي المفارقة الكبرى. فكلما ارتفع صوت المدافع، اقتربت لحظة التفاوض.
شهدت العقود الماضية نماذج مشابهة، ففي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بلغ العالم حافة الحرب النووية، لكن النهاية جاءت على طاولة التفاهمات السرية. وخلال الحرب الكورية، استمرت المعارك بينما كانت المفاوضات تدور في الوقت نفسه. وحتى في الحرب الروسية - الأوكرانية، لم تتوقف قنوات الاتصال تماماً رغم اشتداد القتال. إن ما نشهده اليوم ليس خروجاً على التاريخ، بل امتداد لمنطقه.
وقد وصفت مجلة «فورين أفيرز» هذه الظاهرة بأنها «التفاوض من موقع القوة»، بينما يرى الباحث الأمريكي توماس شيلينج، أحد أبرز منظرى الردع، أن القوة لا تكمن دائماً في استخدامها، بل في القدرة على توظيف التهديد باستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية. هذا بالضبط ما تفعله واشنطن، وما تحاول طهران فعله أيضاً.
لكن ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الاقتصاد. فكل يوم يمر في ظل ارتفاع أسعار الطاقة يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي، ويضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقّدة. فالإدارة الأمريكية تستطيع تحمل مواجهة عسكرية محدودة، لكنها لا تستطيع تحمل أزمة اقتصادية ممتدة تُترجم إلى تضخّم أعلى وأسعار وقود مرتفعة قبل استحقاقات سياسية وانتخابية حساسة. وفي المقابل، تدرك إيران أن تعطيل الملاحة لفترة طويلة سيجعلها أول المتضرّرين من تشديد الحصار والعقوبات، وربما من فقدان ما تبقى من هوامش الحركة الاقتصادية التي بنتها خلال سنوات العقوبات.
وهكذا، يجد الطرفان نفسيهما داخل معادلة مغلقة: لا أحد يستطيع الانتصار الكامل، ولا أحد يستطيع التراجع الكامل. هذه هي «منطقة الحسم المستحيل».
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو قراءة التصعيد العسكري باعتباره مقدمة حتمية لغزو برى، أو قراءة أي تهدئة باعتبارها نهاية للصراع. فالمواجهة الأمريكية الإيرانية لم تعد حدثاً عابراً، بل أصبحت نمطاً مستقراً في إدارة التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط. تتغير أدواته، وتختلف ساحاته، لكن منطقه يبقى ثابتاً.
قد تتوقف الضربات، وقد تُستأنف المفاوضات، وقد تُوقع تفاهمات جديدة، لكن جوهر الأزمة سيظل قائماً ما دامت أسبابها قائمة: مشروع إيرانى يرى في النفوذ الإقليمي جزءاً من أمنه القومي، واستراتيجية أمريكية تعتبر منع هذا المشروع ركيزة لاستقرار النظام الإقليمي الذي تقوده.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: متى تنتهى هذه الحرب؟ بل: هل نحن أمام حرب لها نهاية أصلاً، أم أمام صراع طويل تتغير فيه أدوات الاشتباك، بينما يبقى الحسم... مستحيلاً؟